RSS
2026-02-21 14:38:41

ابحث في الموقع

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (2)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (2)
بقلم: نزار حيدر

{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}.

  مَن الذي يرفُضُ النَّصيحةَ ولا يُبالي بالتَّحذيرِ؟! ولِماذا؟! ومَتى؟!.

  قبلَ الإِجابةِ على هذهِ الأَسئِلةِ ينبغي لفتَ النَّظر إِلى حقيقةٍ في غايةِ الأَهميَّةِ أَلا وهيَ؛ أَنَّ التَّناصُحَ في المُجتمعِ، ومِنهُ التَّناهي عن المُنكرِ، بمثابةِ [حِمايةِ الذَّات] وحِمايةِ [الأَمنِ المُجتمعي] ومنهُ [الأَخلاقِ العامَّةِ] والعكسُ هوَ الصَّحيح فإِنَّ انعدامَ التَّناصُحِ والتَّحاذُرِ في المُجتمعِ ينتهي بهِ إِلى ثغَراتٍ كثيرةٍ وكبيرةٍ قد تقُودهُ إِلى الإِنهيارِ على المَدى البعيدِ عندما يتمُّ غضَّ الطَّرفِ عن ذنبٍ صغيرٍ أَو خطأ تافهٍ أَو معصِيةٍ نستسهِلها أَو ظاهِرةٍ سلبيَّةٍ لا نلتفِتَ لها لتتراكَمَ فتتحوَّل إِلى خروجٍ بالكاملِ عن جادَّةِ الصَّوابِ وخسارةِ كُلِّ شيءٍ جميلٍ.

  يقُولُ تعالى {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.

  فغَيابُ التَّناصُحِ والتَّحاذُرِ في المُجتمعِ يُنتِجُ العِصيانَ والعُدوانَ، عصيانُ القَوانينِ وقواعِدِ السُّلوكِ والعُدوانَ على الحقُوقِ والحدُودِ.

  أَمَّا أَميرُ المُؤمنينَ (ع) فيربطُ ظاهِرةَ إِحترامِ الحقُوقِ والواجِباتِ في المُجتمعِ وتحقيقِ الأَهدافِ السَّاميةِ بحالةِ التَّناصُحِ قائلاً {فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْه فَلَيْسَ أَحَدٌ (وإِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّه حِرْصُهُ وطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ) بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اللَّه سُبْحَانَه أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَه، ولَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّه عَلَى عِبَادِه النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ والتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ، ولَيْسَ امْرُؤٌ (وإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُه وتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ) بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللَّه مِنْ حَقِّه، ولَا امْرُؤٌ (وإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ واقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ) بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْه}.

  ولعلَّ من أَسوءِ الأَخلاق والظَّواهرِ التي نلمسَها عند البعضِ هيَ حالات التربُّص والإِستنفار عندهُ إِذا ما نصحهُ أَحدٌ أَو حذَّرهُ، وكأَنَّهُ يستعِدُّ للردِّ على [نصيحتهِ] التي يعتبرَها تعدٍّ عليهِ أَو انتقاصٍ منهُ أَو مسبَّةٍ! بأَقوى منها وأَشد، وكأَنَّهُ في حلبةِ صراعٍ أَو مُلاكمةٍ.

  إِنَّ من المُهمِّ جدّاً أَن نعملَ جميعاً على إِشاعةِ روحِ التَّناصُحِ والتَّحاذُرِ خاصَّةً فيما يخصُّ الشَّأنَ العامِّ الذي ينفعُنا جميعاً إِذا نجحنا فيهِ وأَنجزنا ما يخدِمنا أَو يضرُّنا كُلُّنا إِذا فشِلنا فيهِ ولم نُحقِّق فيهِ إِنجازاً.

  وليس المقصُودُ من إِشاعةِ هذهِ الرُّوح في وقتِ الأَزماتِ فحسب أَو في أَوقاتِ الشدَّةِ، فقد يكونُ الوقتُ قد مضى فلا تنفعُ نصيحةٌ أَو تحذيرٌ، وإِنَّما إِشاعتَها في كُلِّ الأَوقاتِ، في الشدَّةِ والرَّخاءِ، فالنَّصيحةُ والتَّحذيرُ في وقتِ الإِنبساطِ يُهيِّء النَّفس والرُّوح لقَبولهِما في زمنِ الإِنقباضِ.

  وهكذا يتحوَّلُ التَّناصحِ إِلى ثقافةٍ يقبلَها ويتقبَّلها المُجتمعِ مِن دونِ تشنُّجٍ أَو حسَّاسيَّةٍ او نفورٍ أَو إِستنفارٍ أَو خِصامٍ أَو قطيعةٍ!.

  يصِفُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) رسولَ الله (ص) بقَولهِ {فَبَالَغَ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ فِي النَّصِيحَةِ} أَي كانَ كثيرَ النُّصحِ مِلحاحاً لا يدع فُرصةً أَو مُناسبةً إِلَّا وقدَّمَ فيها النُّصحَ والتَّحذير.  

  ولطالَما كانَ يقُولُ (ع) {إِنَّه لَيْسَ عَلَى الإِمَامِ إِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّه، الإِبْلَاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ والِاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ}.

  وإِذا تذكَّرنا قَولَ رسولِ الله (ص) {كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مسؤُولٌ عن رعيَّتهِ} فهذا يعني أَنَّ مسؤُوليَّةَ {الِاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ} عامَّةٌ تشمِلُ كُلَّ المُجتمعِ بِلا استثناءٍ، ومِن كُلٍّ حسبَ مَوقعهِ وحسبَ علمهِ وتجربتهِ وخِبرتهِ.

  وفي أَروَعِ صورةٍ يصِفُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) النَّصيحةَ بقَولهِ {واقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ واعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ}.

  إِنَّها، إِذن، هديَّةٌ من النَّاصحِ، وما أَعظمَها من هديَّةٍ خاصَّةً وقتَ الأَزمة والتحدِّي والمخاطِرِ.

  لماذا يقبلُ جميعُنا الهديَّةَ إِذا كانت ماديَّةً ولا نقبلَها إِذا كانت معنوِيَّةً؟! أَوليسَت الهديَّة المعنويَّة أَعظمُ ثمناً؟! فالماديَّةُ ينتهي مفعُولها بمرورِ الوقتِ أَمَّا المعنويَّةُ فلا يُمحى أَثرُها.

  يوصي (ع) كُمَيل بن زيادٍ بقَولهِ {يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، والْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ والْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الإِنْفَاقِ، وصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِه}.

  هذا، إِذن، هوَ الفَرق الجَوهري بين الهديَّةِ الماديَّةِ والأُخرى المعنويَّة!.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!