RSS
2026-02-06 19:31:39

ابحث في الموقع

عواصف الشرق الأوسط تضرب العراق.. ماذا يعني قدوم توم باراك إلى بغداد؟

عواصف الشرق الأوسط تضرب العراق.. ماذا يعني قدوم توم باراك إلى بغداد؟
يثير انتقال إدارة الملف العراقي إلى شخصية ترتبط عملياً بملفات سوريا ولبنان، مثل توم باراك، تساؤلات تتجاوز حدود التغيير البروتوكولي، إذ يوحي هذا الربط بأن واشنطن تعيد النظر في طريقة قراءة المشهد العراقي، بوصفه جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها الساحات، وليس كملف مستقل يُدار بمعزل عن سياق المنطقة وتحولاتها المتسارعة.

ويقول الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية صفاء الأعسم، إن “نجاح باراك في إدارة ملف قسد والحكومة السورية، يمنحه خبرة عملية كافية للتعامل مع تعقيدات الملف العراقي، مع التأكيد على أن الجدل الدائر حول اسم المبعوث لا يمثل جوهر المسألة، بقدر ما يرتبط بطبيعة الرسالة الأمريكية المتجهة إلى بغداد، وشكل التعامل المتوقع مع الحكومة العراقية خلال المرحلة المقبلة”. 

وفي مقاربة أوسع، يعتبر الأعسم، أن “واشنطن تتعامل مع العراق عبر قنوات مباشرة بغض النظر عن الشخصية المكلفة بإدارة الملف، في وقت يؤشر فيه الدور المتنامي لباراك في سوريا ولبنان، ولقاءاته مع أطراف إقليمية وعراقية، اتساع نطاق تأثيره في ملفات تفاوضية مترابطة على مستوى المنطقة، بما يجعل حضوره جزءاً من سياق إقليمي أشمل، لا يقتصر على الساحة العراقية وحدها”.

وبرز اسم مارك سافايا خلال الفترة الماضية بوصفه مبعوثاً خاصاً للرئيس الأمريكي إلى العراق، إلا أن تجربته بدت مرتبكة منذ بدايتها، سواء على مستوى وضوح الصلاحيات أو طبيعة الملفات التي تولاها، إذ تركز حضوره على ملفات مهمة مثل الفصائل المسلحة، وضبط حركة الدولار، وتنظيم عمل المصارف العراقية، إضافة إلى التنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية في بعض القضايا التي أعلن عنها عبر سلسلة تغريدات.

ورغم ثقل هذه الملفات، إلا أنه لم يُسجل لسافايا حضور ميداني فعلي داخل العراق، إذ لم يصل إلى بغداد بصورة رسمية، وبقيت تحركاته محصورة في الاتصالات والتغريدات والتصريحات الإعلامية، ما أضعف قدرته على بناء قنوات تواصل مباشرة مع القوى السياسية العراقية، فيما انتشرت تصريحات لمحللين وأخرى نقلاً عن مصادر مطلعة أن سافايا تورط بتسلم أموال من بعض القوى العراقية مقابل إبرام تفاهمات تتعلق بتشكيل الحكومة، وإقصاء نوري المالكي من سباق الترشح.

في المقابل، يعد باراك من الشخصيات القريبة من دوائر القرار في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسبق أن شغل مناصب دبلوماسية وسياسية مهمة، أبرزها سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، قبل أن يُكلف لاحقاً بإدارة ملفات إقليمية معقدة تتعلق بسوريا ولبنان.

ويعرف باراك بكونه غير منتم إلى المدرسة الدبلوماسية التقليدية، إذ يعتمد في أدائه على شبكة علاقات سياسية واقتصادية واسعة، وينظر إليه كشخصية قادرة على العمل خارج القوالب البروتوكولية المعتادة.

وتشير قراءات إلى أن باراك سيركز في تعامله مع الملف العراقي على حزمة قضايا مترابطة، في مقدمتها ملف الفصائل المسلحة وسلاحها، بوصفه أحد مفاتيح إعادة ضبط العلاقة بين بغداد وواشنطن، إلى جانب الدفع باتجاه تشكيل حكومة عراقية بعيدة عن النفوذ الإيراني، أو على الأقل غير مصطدمة مباشرة مع التوازنات الإقليمية الجديدة.

وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن السياسي أثير الشرع، أن “إنهاء مهمة مارك سافايا لا يعني تغيير شخص بقدر ما يعني إغلاق مرحلة أمريكية كاملة، كانت تقوم على إدارة التهدئة والاحتواء، والانتقال إلى مقاربة مختلفة تدار فيها الساحة العراقية بأدوات سياسية واقتصادية طويلة الأمد”. 

ويعتقد الشرع، أن “اختيار توم باراك يؤشر توجهاً أمريكياً لإعادة صياغة النفوذ داخل العراق بهدوء، عبر تفكيك البنى الأكثر تشدداً، واستخدام الاقتصاد بوصفه أداة ضغط أساسية، مع التحضير المبكر لإعادة ترتيب المشهد السياسي قبيل الاستحقاقات المقبلة”، متوقعاً أن “يستخدم باراك الأدوات الاقتصادية كوسيلة ضغط أساسية، من بينها ملفات الطاقة، والمصارف، والدولار، إلى جانب السعي لتحجيم النفوذ الإيراني تدريجياً دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة”.

كردياً، يمثّل مجيء توم باراك إلى واجهة إدارة الملف العراقي لحظة قلق سياسي متصاعد داخل البيت الكردي، في ظل مخاوف من انتقال المقاربة الأمريكية الداعمة لـ”الدول المركزية” من الساحة السورية إلى العراق، وهذا التحول يُنظر إليه في أربيل باعتباره إعادة ترتيب للأولويات الأمريكية، قد تضع الإقليم أمام معادلة جديدة تقوم على تقليص الاستثناءات، وربط موقع كردستان بسياق إقليمي أوسع تحكمه اعتبارات الجغرافيا السياسية بين العراق وتركيا وسوريا، بعيداً عن منطق العلاقات الخاصة. 

من جهته، يؤكد الباحث والأكاديمي الناصر دريد، أن “تحركات توم باراك تتم ضمن تنسيق واضح مع تركيا، وتحظى بقبول لدى الإدارة التركية الحالية، وهو ما انعكس على السياسة الأمريكية الداعمة للحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، إلى جانب تصدر الملف السوري أولويات واشنطن الإقليمية بعد ملفي غزة وإيران، في سياق يؤشر ثقلاً متزايداً لهذا المسار داخل الحسابات الأمريكية”. 

ويضيف دريد، أن “هذا التوجه لا يرتبط بشخص باراك وحده، بل يأتي نتيجة تقاطع مصالح تركية وقطرية وسعودية، أسهمت مجتمعة في رفع مكانة الملف السوري داخل دوائر القرار في واشنطن، وهو ما ينعكس تلقائياً على الساحة العراقية، حيث يُتوقع تصاعد الحضور التركي في إدارة هذا الملف عبر بوابة باراك، مقابل تراجع دور شخصيات كانت تقدم سابقاً بوصفها قنوات تواصل مميزة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب”.

ويبين أن “انتهاء مهمة سافايا، أغلق بشكل رسمي الحديث عن وجود أفضلية لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، لدى واشنطن، كما أعاد الملف العراقي إلى دائرة الترقب داخل الإدارة الأمريكية، مع احتمالات مفتوحة تشمل إعادة النظر بآلية التمثيل الدبلوماسي، أو تعيين سفير من خارج المؤسسة التقليدية، في ظل نمط سبق اعتماده في دول أخرى، ما يعزز فرضية عودة العراق ليدار ضمن مشهد إقليمي أوسع، تحكمه أولويات متشابكة أكثر من اعتبارات محلية منفصلة”.

وعُرف سافايا، سياسياً بانتمائه إلى الحزب الجمهوري، وبمواقفه الداعمة لسياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إذ نشط بشكل لافت خلال الحملتين الانتخابيتين لعامي 2020 و2024، لا سيما في ولاية ميشيغان. وتركّز دوره على التواصل مع الجاليات العربية والكلدانية والمسلمة، والمساهمة في حشد أصواتها لصالح المرشح الجمهوري.

وتشير تقارير إلى أن هذا النشاط السياسي منح سافايا ثقة دوائر مؤثرة داخل الحزب الجمهوري، وأسهم في تعيينه مبعوثًا أمريكيًا خاصًا إلى العراق في تشرين الأول 2025، في خطوة عُدّت حينها محاولة لتعزيز قنوات التواصل مع مكونات عراقية وأمريكية ذات امتداد اجتماعي وسياسي مشترك.





المصدر: العالم الجديد
كلمات مفتاحية
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!