RSS
2026-01-13 15:34:38

ابحث في الموقع

غرينلاند.. صراعٌ باردٌ على ثروات المستقبل

غرينلاند.. صراعٌ باردٌ على ثروات المستقبل
بقلم: د. سرى غضبان

لم يعد القطب الشمالي مجرد منطقة متجمدة بعيدة عن الحسابات الدولية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الساحات الجيوسياسية حساسية في العالم، بفعل تسارع التغيرات المناخية وذوبان الجليد، وما رافق ذلك من انكشاف طرق بحرية جديدة واحتياطيات هائلة من الموارد الطبيعية غير المستغلة.

هذه التحولات دفعت القوى الكبرى إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، وجعلت من القطب الشمالي محور تنافس متصاعد على النفوذ والاقتصاد والأمن.

ومع تراجع الغطاء الجليدي، بدأت ملامح طرق ملاحية جديدة بالظهور، أبرزها “الممر البحري الشمالي” الذي قد يختصر زمن الشحن بين آسيا وأوروبا بشكل كبير مقارنة بقناة السويس. هذا التحول المحتمل يهدد بإعادة رسم خريطة النقل البحري العالمي، ويمنح الدول المطلة على القطب الشمالي أفضلية استراتيجية في التحكم بسلاسل الإمداد العالمية.

تكمن أهمية القطب الشمالي أيضاً في ثرواته الطبيعية. وتشير تقديرات علمية صادرة عن هيئات جيولوجية دولية إلى أن المنطقة تحتوي على نسب مهمة من الاحتياطيات العالمية غير المكتشفة من الغاز الطبيعي والنفط، فضلاً عن معادن استراتيجية نادرة تدخل في الصناعات التكنولوجية المتقدمة والطاقة المتجددة. هذه الموارد، التي بقيت لعقود خارج نطاق الاستثمار بسبب الظروف المناخية القاسية، باتت اليوم أقرب إلى متناول الدول والشركات الكبرى مع تطور التقنيات وارتفاع الطلب العالمي على الطاقة والمعادن.

تضم الدول المطلة على القطب الشمالي ثماني دول هي: الولايات المتحدة، وروسيا، وكندا، والدنمارك (عبر غرينلاند)، والنرويج، والسويد، وفنلندا، وآيسلندا. وتمارس هذه الدول نفوذاً مباشراً في المنطقة من خلال مجلس القطب الشمالي، الذي يضم أيضاً عدداً من الدول المراقبة، من بينها الصين وألمانيا والهند، في مؤشر واضح على اتساع الاهتمام الدولي بالمنطقة.

وتبرز روسيا كأكثر الدول نشاطاً في القطب الشمالي، بحكم امتلاكها أطول ساحل مطل على الدائرة القطبية، حيث عززت وجودها العسكري والبنى التحتية للموانئ والملاحة، وسعت إلى تحويل الممر البحري الشمالي إلى طريق تجاري دولي منظم. في المقابل، تعمل الولايات المتحدة على توسيع حضورها العسكري والاستثماري، وبناء شراكات مع الدول الإسكندنافية، في إطار احتواء النفوذ الروسي والصيني المتنامي.

أما الصين، فرغم عدم امتلاكها حدوداً مباشرة مع القطب الشمالي، فإنها تصف نفسها بـ“الدولة القريبة من القطب”، وتسعى إلى ترسيخ وجودها عبر الاستثمارات في البنية التحتية والتعدين والمشاريع اللوجستية، ضمن ما تسميه “طريق الحرير القطبي”.

في خضم هذا التنافس، تبرز جزيرة غرينلاند بوصفها نقطة ارتكاز استراتيجية في معادلة القطب الشمالي. فالجزيرة، التي تتمتع بحكم ذاتي وتتبع الدنمارك، تمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية يربط بين أميركا الشمالية وأوروبا، إضافة إلى احتياطيات واعدة من المعادن النادرة.

وتحتضن غرينلاند قاعدة جوية أميركية استراتيجية في شمالها، تُعد جزءاً من منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي، ما يعكس أهميتها العسكرية المتزايدة. كما سبق للولايات المتحدة أن أبدت اهتماماً علنياً بشراء الجزيرة، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، لكنها كشفت بوضوح حجم الرهان الاستراتيجي عليها.

ورغم تصاعد مظاهر التنافس، لا يزال الصراع في القطب الشمالي يوصف بـ“البارد”، إذ تتركز المواجهة حالياً في إطار النفوذ الاقتصادي، والتحالفات السياسية، واستعراض القوة العسكرية، دون الانزلاق إلى صدام مباشر. غير أن المؤشرات المتراكمة توحي بأن المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً، مع ازدياد الطلب العالمي على الطاقة، وتفاقم التنافس بين القوى الكبرى.

في المحصلة، يتجه القطب الشمالي ليكون إحدى الساحات الحاسمة في النظام الدولي القادم، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والجيوسياسية. ومع استمرار ذوبان الجليد، لن يكون الصراع على القطب مجرد سباق على الموارد، بل معركة على طرق التجارة ومفاتيح النفوذ العالمي. وفي قلب هذا المشهد، تبرز غرينلاند بوصفها مفتاحاً استراتيجياً لعصر قطبي جديد، قد يعيد تشكيل توازنات القوة في العالم خلال العقود المقبلة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!