"سوق الصفافير" في قلب بغداد بشارع الرشيد، ليس مجرد مركز تجاري، بل هو ذاكرة ماض طالما عكس صوت الطرق على النحاس الذي كان يملأ أزقته، ومع ذلك، شهد هذا السوق العريق انحسارا ملحوظا في السنوات الأخيرة.
إن ما يحدث في سوق الصفافير ليس مجرد تراجع لمهنة قديمة، بل هو نزيف لذاكرة بصرية وتراثية تستوجب وقفة جادة لإعادة احياء الحرف الشعبية وتطويرها، بما يضمن بقاءها كواجهة سياحية واقتصادية تقاوم رياح التغريب والنسيان.
فبعد عام 2003، فتحت الأبواب أمام استيراد واسع النطاق للمصنوعات النحاسية الجاهزة من دول مثل الصين، الهند، إيران، وسوريا، هذه القطع، مصنعة آليا "بجودة أقل من اليدوية العراقية" و تباع بأسعار زهيدة جدا، مما جعل الحرفي العراقي عاجزا عن المنافسة بمنتجه اليدوي الذي يتطلب جهدا ووقتا وتكاليف عالية.
كان السوق يعتمد بشكل أساس على السياح الأجانب والدبلوماسيين والباحثين عن التحف التراثية، وأدّت الاضطرابات الأمنية والسياسية التي مر بها العراق لعقود إلى تراجع حاد في أعداد السياح، مما أفقد الحرفيين فئة الزبائن الأكثر تقديرا لهذه الفنون اليدوية والأكثر قدرة على شرائها بأسعارها الحقيقية.
وبسبب الركود في مهنة "الصفارة"، اضطر كثير من أصحاب المحال القدامى إلى بيع أو تأجير محالهم لتجار الأقمشة والستائر والأحذية؛ هؤلاء التجار يدفعون مبالغ طائلة لا يستطيع الحرفي البسيط توفيرها، مما غير هوية السوق البصرية والصوتية؛ فبدلا من صدى طرق النحاس، أصبحنا نرى رزم الأقمشة المستوردة.
كما ان ارتفاع أسعار النحاس الخام بشكل كبير، زاد من كلف الإنتاج؛ و يشكو الحرفيون من إهمال حكومي واضح؛ فلا تتواجد قروض ميسرة، ولا حماية للمهنة من الاستيراد، ولا حتى رعاية للمبدعين المتبقين لضمان نقل المهنة للأجيال المقبلة.
المهنة صعبة وتتطلب مجهودا عضليا شاقا في بيئة حارة (أمام الأفران وصوت الطرق العالي)، ومع تراجع الأرباح، هجر الشباب هذه المهنة بحثا عن وظائف حكومية أو مهن أسهل ربحا، مما أدى إلى فقدان الخبرات المتراكمة التي كانت تميز "الصفافير".
وبحسب الأرقام المتوفرة انخفض حاليا عدد المحال المتخصصة من أكثر من 200 محل في العقود الماضية إلى أقل من 20- 25 محلا، يعمل أغلبها في إصلاح الأواني القديمة أو بيع قطع بسيطة بدلا من صناعة التحف الفنية الكبرى، كما خفتت كثيرا او تكاد تختفي أصوات طرق النحاس العالية التي كانت تتردد حتى في فضاء شارع الرشيد.
ان إحياء سوق الصفافير والأسواق التراثية المماثلة (مثل سوق السراي، وسوق القشلة، وأسواق الحرف اليدوية في المحافظات) ليس أمرا مستحيلا، لكنه يتطلب إرادة مشتركة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
يتوجب إصدار قوانين تمنع تحويل المحال التاريخية في سوق الصفافير إلى مخازن أقمشة أو أحذية، والحفاظ على هوية المكان التراثية (كما هو متبع في أسواق دمشق والقاهرة القديمة)، ويجب تقديم إعفاءات ضريبية كاملة أو رمزية لأصحاب الورش والمحال التي تمارس الحرف اليدوية حصرا.
وعلى الدولة ان تقوم بتوفير النحاس الخام والمواد الكيميائية المطلوبة بأسعار مدعومة لمنافسة السلع المستوردة، و منح قروض "تطوير حرفة" طويلة الأمد ومن دون فوائد للحرفيين لتجديد ورشهم أو شراء معدات حديثة تساعد في صقل وتلميع النحاس وتخفف الجهد العضلي.
ويجب تشجيع الحرفيين على التعاون مع مصممين معماريين وفنانين شباب لإنتاج قطع نحاسية تناسب الديكورات الحديثة، مثل وحدات الإضاءة، قطع الأثاث المدمجة، والهدايا الرسمية، بدلا من الاكتفاء بالدلال والأواني التقليدية.
ومن الممكن إنشاء "مدرسة للحرف اليدوية" في داخل السوق نفسه، تمنح رواتب رمزية للشباب لتعلم المهنة على يد "الأسطوات" القدامى لضمان عدم انقراض سر الصنعة، ومن الضروري الترويج السياحي والرقمي بوساطة المنصات الإلكترونية و إنشاء منصة بيع موحدة لمنتجات سوق الصفافير تتيح الشراء عبر الإنترنت والشحن الدولي، مما يفتح للسوق بابا عالميا يتجاوز حدود زوار بغداد، ويعيد احياء المهنة.
كما يمكن تنظيم "مهرجان النحاس السنوي" مثلا في شارع الرشيد، يتضمن ورش عمل حية أمام الجمهور لجذب العائلات والسياح، و تحويل بعض الورش إلى "ورش مفتوحة" تتيح للسائح تجربة الطرق على النحاس بنفسه وصناعة قطعة صغيرة كذكرى، وهو نمط سياحي رائج جدا في العالم حاليا ويحقق دخلا إضافيا كبيرا.
إن إحياء سوق الصفافير يرتبط ارتباطا وثيقا بإعادة تأهيل شارع الرشيد بالكامل ومركز بغداد التاريخي؛ فالسوق لا يمكن أن يزدهر في بيئة تعاني من تهالك البنى التحتية وصعوبة الوصول.
وفضلا عن النحاس، يقول المراقبون انه حتى سنوات قريبة كانت أسواق العراق تحفل بصناعات تراثية تستعمل في الحياة اليومية مثل المفروشات والأسرّة والفخاريات والأثاث ومواد منزلية تصنع كلها بطرق بدائية، وتجسد فنا عريقا وحرفا متوارثة، غير ان الطلب على هذه المنتجات شهد تراجعا كبيرا بسبب توافر بدائل حديثة مستوردة، سببت أيضا اندثار عدد منها، بحسب ما يقول تجار عراقيون، وكانت صناعات تراثية كثيرة توفر دخلا ماليا جيدا لعائلات كانت تنفذ مهمات تصنيع المنتجات في ورش في داخل المنازل، مثل مكانس السعف ومراوح الهواء اليدوية "المهفات" وتنور الخبز و "البراد" الفخاري "حِب الماء"، وكثير غيرها.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!