RSS
2026-01-01 15:45:28

ابحث في الموقع

السفور والتبرج.. بين الحرام والعيب والتقليد

السفور والتبرج.. بين الحرام والعيب والتقليد
بقلم: علي الراضي الخفاجي

ما أنْ تستشري ظاهرة ما في جسم المجتمع ويسكتْ عنها الواعون إلا وتصبح هي الأصل وماعداها شذوذ، وأخطر ما فيها عندما يحاول المتعاطون لها الالتفاف حول النصوص الدينية لجعلها أمراً طبيعياً ومتسالماً عليه، أوالحديث عنها كسلوك اجتماعي متعارف له جذوره التأريخية المرتبطة بالتقاليد الأسرية أو العشائرية أو القومية، والتي يُخشى من التهاون بها مقاطعة الآخرين ونيل نقمتهم، فتراهم يدافعون عنها أشد الدفاع أمام النقد ومحاولة الإصلاح.

ولعلَّ تعاظم الظواهر وسيطرتها يرجع إلى سببين:

الأول: تبرير ضعف المدافعين عنها حين لايجدون حولاً في معالجتها أو تقويمها، وبالتالي تصبح متجذِّرة ومتعارفة.

والثاني: عندما يصبح التقليد الاجتماعي بديلاً عن التشريع الإلهي، والعيب بديلاً عن الحرام تطغى الظاهرة شيئاً فشيئاً فتؤدّي إلى نسيان التعاليم الدينية.

التقاليد ليست ممارسات واعية في الغالب

وذلك على مدى التأريخ، وتلك قد شخّصها الكتاب الكريم بقوله تعالى((وإذا قيل لهم تعالواْ إلى ما أنزل اللهُ وإلى الرَّسولِ قالواْ حسبُنا ماوجدْنا عليه آباءَنا أَولوْ كان ءَاباوُهُمْ لايعلمون شيئاً ولايهتدون)).المائدة/104، وهذا عينُ التمرُّد تجاه التعاليم الإلهية التي يأتي بها الرَّسول، ويوصدُ الإنسانُ سمعه تجاهها، ويتمسكُ بالموروث من التقاليد عن جهل ودون وعي وهداية، فعندما جاء القرآن الكريم قصم ظهر التقاليد المتجذِّرة ووصفها أنها تقاليد تنبعُ عن جهل، مثلما جاء به في النهي عن التبرُّج، فقال((ولاتبرَّجْنَ تبرُّجَ الجاهلية الأولى))الأحزاب/33، فما جاء به الإسلام فيه صون كرامة الإنسان وحفظ حقوقه وضمان سعادته بأن يعيش حياة طيبة مطمئنة بعيداً عن الارتياب وقلق الشخصية والازدواجية في السلوك.

إنَّ طغيان التقاليد والظواهر المخالفة للدين على سلوكيات المجتمع، والسكوت عنها يؤدّي بالتدريج إلى نسيان الجانب التشريعي، أو إغماض العين عن النصوص الناهية عنها، فتقرأ بشكلٍ سطحي، إذْ نستطيع التعبير عنه بالقراءة اللفظية الدائرة بين حركة الفكين وقلقلة اللسان.

على منْ تقع المسؤولية؟

ولعلَّ المسؤولية تجاه هذه الظواهر توجبُ على الواعين والمثقفين، ومنهم الخطباء والواعظين وغيرهم إظهار مسألة الحجاب أنها ممارسة تنبعُ عن وعي وإدراك لحقيقتها، وليست تقليداً، وأنها استجابة للحكيم المطلق، ولنداء العقل، وانسجاماً مع فطرة الإنسان التي تنزعُ للحياء، ليس فقط في ممارساتها وعلاقاتها مع بني جنسها، بل حتى في ظهورها المميز بين أفرادها، فضلاً عن ارتفاعها وترقِّيها عن البهائم في المظهر والسلوك، لذا كان الحجاب شرعاً على الإنسان رجلاً أو امرأة بالشكل الذي يناسبُ هيئة كلٍّ منهما، ويخلق احتراماً بينهما، وحدوداً تحفظ كرامتهما بعيداً عن الابتذال والإثارة والدونية، خصوصاً في المرأة لما تحمله من زينة في أكثر من جانب، ولكي تكون الأعزُّ في القيمة والأثمنُ في الطلب.

ميزان استعمال المصطلحات

وأحْسَبُ أنَّ استعمال كلمة (العيب) بدلاً عن (الحرام) ينفعُ إطلاقها على تصرفات الطفل؛ لأنها الأقرب إلى منعه عن الممارسات الخاطئة التي ينبغي أن يتوقف عن فعلها أو التلفظ بها، بينما استعمال الحرام يأخذ بعداً آخر، ولعلَّ أقلَّها الالتفات إلى وقوع الضرر من الإتيان به أو احتمال وقوعه، فضلاً عن فقدان الكرامة التي أرادها الله سبحانه وتعالى للإنسان، ووقوع المفسدة بهلاك الحرث والنسل؛ لأنَّ فساد الطبيعة من فساد الإنسان، يقول تعالى ((ظَهَرَ الفسادُ في البرِّ والبَحْرِ بما كسبتْ أيدي الناس..)). الرُّوم/41، إضافة إلى شقاء في الدنيا وخزي وعذاب في الآخرة.

الظاهرة جديرة بالاهتمام

والحديثُ عن انتشار هذه الظاهرة جديرٌ بالاهتمام والتحليل والمعالجة في الخطاب الديني، فلا يجبُ أن يخلو من مصطلح الحرام وبيان عواقبه لأنَّ ذلك يؤدّي إلى اتساع البون بين الممارسة والتشريع، ولا يجبُ أن يستغرق المصطلح الخطاب بالشكل الذي يجعله ممجوجاً في الأسماع وغيرُ مستساغٍ في النصيحة والتوجيه المباشر، فقد جرت السُّننُ على تمرد الإنسان تجاه الشرائع بحيث أصبح لاينصاع إليها إلا بعد هزة عنيفة أوتجربة قاسية تخضعه إليها وترجعه إلى الحق والصواب.

وما كانت دعوة الأنبياء يوماً مباشرة إلا بعد التذكير واستنهاض الفطرة، قال تعالى((ادْعُ إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهُمْ بالّتي هِيَ أحْسنُ..)).النحل/125، فإنَّ أصل التكوين في بناء الإنسان ماوهبه الله تعالى من الفطرة، ثم وهبه العقل للتمييز والتحكيم، وبناءً على هذا الأصل تعدُّ مخالفة الأوامر الإلهية تهلكة ومخالفة للفطرة، وتبرير مخالفتها جريمة؛ لأنها مغالطة للحق والعدل الإلهي.  

إلى ماذا آلتْ إليه لعنة التقاليد؟

لقد أدَّتْ لعنة التقاليد دعاة الحداثة والتجديد إلى محاربة الحجاب حينما اعتبروه تقليداً تأريخياً واجتماعياً، وأنه من التقاليد البالية التي تقف عثرة في طريق الانفتاح -كما يدَّعون- وعلى التطور الحضاري، وماهي إلا محاولة منهم لعزل الدين عن الحياة.

كما أعطت التقاليد المرأة الفرصة للتساهل وعدم الالتزام بالحجاب عندما اعتبرته تقليداً، وتركه عيباً، والسكوت عنه رُخصة، ذلك عندما يقلُّ الضغط الأسري والاجتماعي عنها، في الوقت الذي ينبغي أن لايكون الإيمان الراسخ عرضة للأهواء أو مضغة للشيطان وأتباعه يدورون به ألسنتهم أينما حلَّتْ مصالحهم، ((استحْوذَ عليهمُ الشَّيطانُ فأنساهُمْ ذكرَ الله أولئك حزبُ الشَّيطان ألا إنَّ حزبَ الشَّيطان هُمُ الخاسرون)). المجادلة/19، ذلك أنَّ الاستحواذ يأتي من جانب الضعف وغياب الإرادة، فينسي الإنسان دوره في الحياة وواجباته تجاه الخالق، فيكون من حيثُ لايدري في حزب الشَّيطان ليعيش مع شاكلته ضالاً ثم يرتقي ليمارس دور الإضلال.  

هل من معالجات وحلول؟

إنَّ ماينبغي فعله تجاه انتشار ظاهرة السفور والتبرَّج هو فسح الطريق للعاملين في مجال التوجيه والتوعية بالشكل الذي يستوعبُ الردود ويعالجها بهدوء، وهو أمرٌ لايقعُ على رجال الدين فحسب، إنما على جميع من يهمَّه صلاح الحياة واستقرارها، فقد يرى البعض أنَّ الظواهر ماهي إلّا جزئيات تضيعُ في زحمة الإنجازات الكبيرة، ويغيبُ عن باله أنَّ هذه الجزئيات تنخرُ كيان المجتمع دون أن يشعر، ومصيرها تكبرُ لو تركتْ، كما وصل إليه قوم لوط من تطبُّع على الفاحشة، فمؤكدٌ أنها كانت في البداية عبارة عن لفظة فاحشة تمَّ السكوت عنها حتى تحولَّتْ إلى ممارسة طبيعية، وكذلك التساهل في الحجاب فما من دين إلَّا وأقرَّهُ، وما من فكر بشري حُرٍّ أنكرهُ، وماوصل إليه الغرب من عُريٍ مؤكدٌ أنه كان في البداية سقوط جزء من الحجاب، وشيئاً فشيئاً سقط بالتمام أمام أنظار العارفين بأهميته، وكان سكوتهم عنه ترسيخاً لبقائه وشرعنة لاضمحلاله.

تفاقم الظاهرة في المدن المقدسة

ولايفوت اللبيب والحريص إنَّ مايقع في الزمن الحاضر من تساهل في الحجاب في المدن المقدسة نذيرٌ باتساعه وشرعنته فيما لو لمْ يتمَّ تطويقه، وهي مسؤولية لاتقتصر على ساكنيها أو العاملين فيها إنما هي مسؤولية أخلاقية وإيمانية يشترك فيها كلُّ من يدَّعي الولاء ويدعو إلى نصرة الدين والانتصار للقيم والوقوف ضد السقوط والانحراف؛ لأن هذه المدن ماصارتْ مقدسة إلا حينما ثوى فيها شهداء ومصلحون، وهي بيئات خصبة للإصلاح وممارسة الدور الرسالي وانطلاقه منها.

والغريبُ أنَّ الحجاب أصبح سلعة تجارية وموضة تتغير بشكل سريع مع كلِّ مستورد ومستحدث، حتى أنك لاتجد هوية واضحة لمن يرتديه يمكنك أن تنسبها إلى قومية أو دولة كما في السابق، وهي فرعٌ من ظاهرة كنا نتحدثُ عن طغيانها وحجمها الكبير، لتأتي من خلال هذا التلون والخلط المنفلت لتشكل ظاهرة جديدة أكبر، ومردُّ ذلك يعود إلى تصور الكثير أنَّ الحجاب تقليدٌ يضمحلُّ أمام تقليد مستجد، وليس إلى تشريع ثابت ورصين وحكيم.

إنها سنة الغفلة والبعد والإعراض عن الله تعالى التي تكون عاقبتها الشقاء والخزي والعذاب في الآخرة، كما أخبرنا سبحانه وتعالى عنها بقوله ((سنجزي الذين يصدفون عن ءَاياتنا سُوءَ العذاب بما كانواْ يصدفُون)). الأنعام/157. 


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!