تمهيد
منذ قديم الزمان وموالو ومحبو الإمام الحسين صلوات الله عليه يسعون لأن يقدموا براهين صدق انتمائنا العقائدي للمنهج الرسالي الحسيني المحمدي ويطلقون العنان للمشاعر والأحاسيس لتتفاعل وتتعامل مع القضية الحسينية العظيمة وما يتعلق بها بالإضافة لإحياء مناسبات تخص الإمام الحسين وأهل بيته والأئمة الأطهار من ولده صلوات الله عليهم أجمعين وهذه المناسبات وتعكس صورة واضحة للآخرين تبين ذلك . ويتم ذلك من خلال التجمعات لتذاكر مآثر ومناقب وفضائل أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين
وهذا ما أصبح شعارا من شعارات الهوية التي نتميز بها
ولا يخفى على أن أيام أو شهور السنة الهجرية تنطوي على مناسبات دينية كثيرة . وربما تتفوق السنة الهجرية على السنة الميلادية في احتوائها على المناسبات. وهذه المناسبات بصنفيها تستحق التوقير والإهتمام والتعامل مع أبعادها ومفاهيمها ومعطياتها تعاملا معنويا وماديا وتعبويا مميزا شريطة أن يُؤخذ بنظر الإعتبار كل المعايير والإعتبارات والمقاييس التي ينبغي أن لا تُخرِجَ المتعاطين معها عن المألوف . وقد تختلف طبيعة هذه المناسبات بمرورها . فمنها ما تستوجب إظهار معالم وأمارات الشجن والتعاطي معها بحزن شديد وألم وإيقاد الحسرات في الصدور . مثل استذكار مناسبات أو مواقيت استشهاد الأئمة الأطهار عليهم السلام أو أي من آل البيت أو أتباع العصمة صلوات الله عليهم . أو بعض الأحداث المؤلمة التي ألقت بظلالها على باطن كيان العقيدة قبل ظاهرها أو أحدثت خدشا في مشاعر وأحاسيس أصحاب العقيدة مما أسفر عن إيقاظ المواجع في النفوس .
وثمة صنف آخر من المناسبات التي تستحق أن نوليها الإهتمام البالغ . كتلك التي نستذكر بها مواقيت تواريخ ميعاد مواليد الأئمة الأطهار عليهم السلام وكذلك التابعين لآل البيت عليهم السلام .
وإن كلتا الحالتين يمكن أن تنصهرا ببودقة إحياء الأمر وتسوقاننا إلى الامتثال لتوجيه الإمام الصادق صلوات الله عليه حين يلفت عنايتنا لها وينبهنا لاكتساب الرحمة بقوله صلوات الله عليه : ( أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا ).
ولعل التزامنا بالتشديد على إحياء الأمر منبعث من عمق التجانس الروحي والميول بل الانتماء إلى المنهج الإنساني الذي نهجه آل البيت عليهم السلام والمبادئ السامية التي أرسوا قواعدها وأوصوا شيعتهم لأن ينتهجوها لينعم الجميع بسعادة ذلك الانتهاج وتكون النتيجة الفوز بالفلج .
ملامح التمسك بالجوهر
إن مبدأ إيلاء الإهتمام والعناية الشديدة من قبل أي مجتمع بالظواهر أو المظاهر الدينية والتمظهر بها بالطرق السليمة الأصولية الصحيحة إنما يعد هذا المبدأ أمرا طبيعيا بل حالة صحية لا غبار عليها . ناهيك عن أن المبدأ ذاته يعكس صورة عمق الإعتزاز بالموروث الديني العقائدي ويعد ملمحا من ملامح التمسك الواعي بهذا الموروث ولعل من خلال ذلك يتم إظهار تجديد الولاء للمعتقد الذي يعتنقه المجتمع .
إن خلاصة هذا المفهوم ينطبق جوهره تماما على ممارسة الشعائر الدينية .
وهذا ما دعا إلى أن يحث الدعاة العقائديون المخلصون الناس على ممارسة الشعائر الدينية من أجل تحقيق أهداف كثيرة ومنها ديمومة التواصل مع المنهج الديني الذي يمثل الحضارة الإنسانية وثم تهذيب النفس وتربيتها تربية دينية عقائدية صحيحة تُنشئ جيلا فاضلا صالحا ينأى بنفسه عن المثالب والموبقات وعن كل ما يضر بصحة وسلامة سلوكيات المجتمع
شريطة أن تنطلق الممارسة بوعي وإدراك تامين وبقناعة أتم ونابعة من الحرص التام على الإطار العقائدي وألا تكون بصيغة شكلية أو سطحية عملية أو تمثل خضوعا لتقليد أو عرف اجتماعي متعارف عليه وأن لا يكون باطن نية الممارس للشعائر مسايرة أو محاباة لأفراد ينتهجون ذلك التقليد العرفي فارغ المحتوى. إذ أن الأعراف التي توارثتها المجتمعات ليست تتماشى مع ما تسنه الشريعة السمحاء . أو أن يكون هدف الممارس أو نيته إطلاع الآخرين بأنه مشارك دائم وله حضور مستمر فيطلع الآخرون على ذلك فتتزين صورته بأنظارهم . أو ربما ينوي من هذه المشاركة إشباع رغبة في النفس .
وهذا الأمر ينطبق على ممارسة الشعائر بشكل عام .
بينما يجدر بأن تكون المشاركة نابعة بفعلها من عمق الإيمان بالقضية وبنية صادقة حقيقية نابعة من صدق التفاعل والذوبان مع ما أفرزته المناسبة في النفوس من أبعاد ومعطيات تركت أثرها الفاعل في صناعة التقويم الديني التأريخي لذا فإن الحث على التمسك بمبدأ ممارسة الشعائر الدينية وأدائها وإحيائها جاء بسبب أن شيوعها يعكس صورة التقيد والتمسك بالموروث الديني العقائدي .
ومن أجل بيان هذه الحقيقية يتطلب من المجتمع التواصل ، وهذا التواصل ينبغي أن يتم عبر وسائل وصيغ سليمة خالصة نقية من كل الشوائب صحيحةٍ تتوافق مع الجمع العقلي والذائقة المجتمعية فضلا عن الالتزام التام بالتطبيق الحرفي للشعيرة
كما ينبغي أن يتطابق مسراها مع الضوابط والسياسات التي تمثل السياقات العقائدية والحسية للذائقة الجمعية وتجري مجرى النص الديني المساوق للمعتقد
من هذا المنحى انبرى أتباع أهل البيت عليهم السلام في ممارساتهم وإحيائهم للشعائر الدينية مرتكزين على ركائز ثابتة قوية أرسى قواعدها الإمام الصادق بقوله صلوات الله عليه: ( شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا ، وعجنوا بماء ولايتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ).
لا للعشوائية
لقد تلقى الجميع هذا القول الصادقي الصادق بالتواتر بلهفة التائق بحرص شديد للحفاظ على جوهر أساسيات المبدأ الحق وصيانة المنهج العقائدي . إنما ثمة من تلقف هذا القول أو استقبله بفهم مغاير وفهمه بقدر مستوى استيعابه وتقبله للأمور . بل بلغ الأمر أن يتقبل البعض بقدر ما ينسجم الفهم مع مزاجيته. ولكن بالمحصلة النهائية أعد بأنه إيذان لإقامة الشعائر وإحيائها بشقيها المحزن والمفرح وأضفى الصفة الشرعية على إقامتها وأصبح صيغة من صيغ التعبير عن تقديم الولاء وتجديد العهد لآل البيت عليهم السلام .
ولعل الأمر الذي حث مقيمي الشعائر على أن يزدادوا تمسكا بها هو الرغبة في اكتساب الرحمة التي عرفها الإمام الصادق عليه السلام حين ألحق قوله الأول بقول آخر له صلوات الله عليه وقرن اكتساب الرحمة بإقامة وإحياء الشعائر فقال صلوات الله عليه : ( أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا )
هل من برزخ بين الحزن و الفرح ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾ ـ المعارج/19-21
لقد أخذ الحديث عن الفرح من أوقاتنا مأخذا لا باس به في النقاشات والسجالات وراح كل ينظر لحالة الفرح أو مكوناته من منظوره الخاص وتباينت مناسب المناظير بين ناظر وآخر وكل راح يعرفه وفق منظوره
وقد استقرت مفردة الفرح أو الإشارة إليها أو تعريفها في القرآن الكريم بمنطوق آيات بينات عديدة وفي موارد كثيرة ومتعددة .
فمرة جاء ذكره مطلقا أو مشروطا ومرة أخرى مقيدا وتارة منهيا عنه في بعض الموارد وأخرى يشار به للموعظة وأُعد بأنه نتيجة أو شاهد من شواهد نصر المؤمنين وهكذا
واختصارا ندرج بعضا من هذه الآيات أو أجزاءً منها مما يتعلق ببحثنا هذا أو ما يتناسب مع مجرياته
﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾ ـ الأنعام/ 44
﴿ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ﴾ ـ الرعد/ 26.
﴿ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ ـ الرعد / 36.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ـ يونس/ 57-58
﴿ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ ـ القصص/ 76
﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ ـ الروم/ 4
﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ ـ الحديد/ 22-23.
تضادات الصفات في النفس
غالبا ما يؤكد علماء النفس على أن نفس الإنسان ينطوي باطنها على مجموعة إنفعالات كامنة غير ظاهرة
وهذه الانفعالات أحيانا متضادة أو متناقضة وهي كثيرة منها مثلا : الحزن والفرح ، الحب والكره ، الشفقة أو الرحمة والقسوة ، التواضع والتكبر ، و..و..و.. الكثير من هذه المتشابهات أو المتناقضات ومنها ما هو مجبول عليها وهي تمثل سمات أو صفات تلاحق الإنسان . وهذه الإنفعالات مرة هي التي تتحكم بتصرفات الإنسان وتارة أخرى يكون العكس إذ يتحكم الإنسان بهذه الإنفعالات من خلال سلوكياته .
وغالبا ما يحصل طغيان بعضٍ هذه الإنفعالات أو الصفات على غيرها فتتغلب القسوة على الرحمة أو التكبر على التواضع أو العكس .
ومسألة تواجد هذه السمات وتغلبها على مستوى قدرة الفرد في التحكم بها يلحظ إلى أن الإنسان بحاجة لموجه أو قائد يرسم له سبيلا يسلكه لينجو من الوقوع في المكاره
ولعل أبرز هذه السمات أو الإنفعالات سمتا الحزن والفرح .
الفرح إحساس وجداني وهو حالة مشروعة
وحين يصنف العلماء ظاهرة الفرح أصنافا متعددة يرجحون ما يسمى ( الفرح العقلاني ) ويطلقون عليه ( فرح القلب) .
والفرح بشكل عام هو انفعال النفس، الناتج عن مؤثر خارجي حسي أو معنوي
وحين يُقسم الفرح إلى أقسام أو أجزاء معينة فذلك صنف أو قسم يصفه رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه نتيجة الرضا أو القبول أو ما يشابه ذلك فيقول : ( صلى الله عليه وآله: أما والله، لله أشد فرحا بتوبة عبده من الرجل براحلته) ـ ميزان الحكمة للريشهري
ويفسر العلماء والمحدثون الثقاة هذا اللون من الفرح بأنه يعني رضا لله
وعن أمير المؤمنين صلوا ت الله عليه في حديث طويل قال : ( الفرح مكروه عند الله عز وجل )ـ تفسير نور الثقلين ج4 / الشيخ الحويزي
وعن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال : ( أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام لا تفرح بكثرة المال ولا تدع ذكري على كل حال فإن كثرة ذكري تنسي الذنوب وترك ذكري يقسي القلوب ). النفسير الصافي ج4 / الفيض الكاشاني
وللفرح ألوان متعددة
من هنا يتبين لنا بأن ثمة لونا من ألوان الفرح اقترن ذكره بالذم أكثر منه اقترانا بالثناء والمديح فضلا عن ورود النهي عن الفرح في بعض الأحيان بغض النظر عن وصفه وماهيته .
( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ـ آل عمران / 188
خلاف صيغة الحزن فإن إتيانه يجتذب المدح أو تقترن به
( أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62) ) ـ النجم
وحين يمر المفسرون بهذه الآية الكريمة يعمدون في مرورهم إلى فعل وخزة توخز الضمير الواعي من خلال إشارة أو تلميح لتحذير شديد من أن يقع الإنسان في شرك السهو أو الغفلة فيسلبه ذلك إدراكه ووعيه وانتباهه ويجره إلى الإنشغال بملذات الدنيا
ويفسرون ( وأنتم سامدون ) أي في غرور وغفلة وتكالب على الدنيا فيحذرون ويذكرون بأن لا مجال للضحك بل ينبغي على الإنسان أن يكون ميالا للبكاء أكثر منه إلى الضحك .
وليس بالضرورة أن يقصد بالبكاء دائما الممارسة الفعلية وذرف الدموع . إنما يعني أن يتجنب الإنسان الإفراط والمبالغة بالفرح الذي ينتج الغرور أحيانا فيحث الإنسان على ارتكاب الذنوب أو المعاصي غير مكترث بأي محذور وينسى التوبة . بل يلزم أن يحيا الإنسان نادما متألما متأسفا على ما فاته من فرص كان الأولى به أن يغتنمها للطاعات لكنها فاتت بسبب سموده . أي غفلته وغروره
هذا المضمون يعرفنا على أن الفرح المفرط يجذب الإنسان وربما يحوله من موقع لآخر لا يرغب به العقلاء
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاث أعين : عين بكت من خشية الله ، وعين غضت عن محارم الله ، وعين باتت ساهرةً في سبيل الله ) ـ الكافي ج2 / الشيخ الكليني.
أما الإمام الصادق صلوات الله عليه فإشارته لهذا الأمر أقوى وأوضح فهو يشير بقولة للأمر حين يسأله المفضل : يا مولاي ما في الدموع من ثواب؟ فيقول صلوات الله عليه: ( ما لا يحصى إذا كان من محق. فبكى المفضل بكاءً طويلاً ويقول: يا ابن رسول الله إن يومكم في القصاص لأعظم من يوم محنتكم، فقال له الصادق صلوات الله عليه: ولا كيوم محنتنا بكربلاء وإن كان يوم السقيفة وإحراق النار على باب أمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة وزينب وأم كلثوم وفضة وقتل محسن بالرفسة أعظم وأدهى وأمر، لأنه أصل يوم العذاب ) ـ الهداية الكبرى / الحسين بن حمدان الخصيبي
ومما يؤسف بأننا مثلما نتعاطى مع الكثير من الأمور بفهم خاطئ وتصور واهم كذلك الحال مع الفرح فقد عرفنا الفرح بما يحلو لنا تعريفه وحددنا وسائل التعامل معه
ما هي نمطية الفرح؟
ثمة تصوراتٌ بغض النظر عن صوابها أو عدمها جعلتنا أن نقرن كل مناسبة نحسبها نحن مفرحة لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله بلزومية إعلان الفرح . دون أن نلتفت إلى مفهوم الفرح أو صيغته أو أي معنى لمعانيه أو كيفية إظهاره.
بتعبير آخر أنه لا يمكن أن تمر مناسبة استذكار مولد إمام معصوم إلا ونظهر معالم الفرح بكل ما أوتينا من قوة . ونطلق العنان للمزاجات وللرغبات وللأهواء ونعد ذلك من أهم ضرورات الولاء أو علاماته .
وقد أصبح أوان مرور هذه المناسبات يمثل في أحيان كثيرة عملية اختبار للذاكرة الجمعية أو للذهنية العقائدية الواعية أو هو أشبه بجرس يخترق رنينه بواطن الذاكرات لتستعيد حيويتها العقائدية وتُنَبِّهُها فتجدد ارتباطها أو قل تمسكها الشديد بالتوقيتات للمناسبات الدينية
إن الحقيقة التي لا تغيب عن ذهن أحد هي أن أوان مولد الإمام الحسين صلوات الله عليه ما هو إلا أوسع وأشمل وأبرز موسم من مواسم فرح أهل السماوات قبل أهل الأرض وما هو إلا مدعاة لكل حبور وسرور .
لكن السؤال الذي يلزم طرحه ما هي نمطية هذا الفرح ؟ وما هو لون الفرح ؟ هل للفرح من تأويلات وصنوف ؟ ما هي الصيغة التي نعبر بها عن هذا الفرح ؟ ما هي الكيفية التي نتعامل بها؟
هل ينبغي أن نتعاطى مع الفرح مفهوما وتحليلا وتأويلا بمستوى حجم تعاملنا مع مواسم الحزن حين نتوشح بالأسى على مصاب الإمام الحسين صلوات الله عليه وأهل بيته والأئمة من ولده ؟
وقد نظمت مرة قصيدة في هذا المضمون اقتطع منها أبياتا تتناسب وهذا المقصد
وبعض نام وهو يقود رهطا فيتبعه النيامُ إذا مشينا
ويشدو لهم أناشيدَ المنايا يسوق إلى المنية غافلينا
فإن صحنا استفيقوا صاح فيهم سلاما فلتظلوا نائمينا
وإن رقدوا يصفق كي يفيقوا فيلقاهم إليه مصفقينا
ونهزؤ إن بمولدك احتفلنا** بحجة أن ترانا منتشينا
وفرحتنا لأن نأتي ضجيجا لتسمعنا فلا نهوى السكونا
وإن صلاتنا صارت مُكاءً وتصديةً بشرع المفترينا
فمن حسِبَ الشريعة نطق هاوٍ فهل له أن يجيب السائلينا
فإن أنت ادعيت بذاك فتوى **اكتسبت وتبغي كسب المدعينا
ترى هل صفق المختارُ لمّا **رأى الأملاك صفا هابطينا
على مهد الحسينِ بألفِ نجوى **وراحوا به جميعا محدقينا
وفطرس حطَّ عنده مستغيثا بربه .. نال عفوَ التائبينا
أغثنا سيدي وارسل إلينا ** سناً واكشفْ خداعَ الجاهلينا
تراثنا منهل حضاري
إن من الجميل أن يستنهض التراث أي أمة تعتز وتأنس وتفخر وتتقيد بتراثها .والتراث المرآة التي تعكس صورة حضارة الأمة أو المجتمع ومن خلال الإطلاع على التراث يتم التعرف على واقع الأمة أو المجتمع ومنهجيتها في مسيرتها الحياتية الحضارية
وحين نتمعن في بطون التأريخ نجد أن التراث الشيعي الثر الزاخر بكل زهو وازدهار قدسي وبملكوته الإنساني الحي وبكل معالمه ومكوناته الدينية والأدبية والثقافية والعلمية والفقهية وما يلحق بكل ذلك من معالم معرفية كل ذلك أنتجته سمة الحزن على فاجعة سيد الشهداء صلوات الله عليه يوم اغتالته الأيدي الأثيمة من أذناب الشرك والكفر من أعداء جده المصطفى محمد صلى الله عليه وآله
وربما أن هذا الحزن هو الذي ألزمنا أن نخصص فترة زمنية لموعد مولده الميمون وتحديده . فنفرح بيوم مولده صلوات الله عليه
وإن ما هو معروف ومعلوم أن ولادة الإمام الحسين صلوات الله عليه ظاهرا تحددت بيوم واحد . ولكن موعد استشهاده سبقته حوادث وتلته حوادث ترتبط كلها بفاجعة استشهاده صلوات الله عليه بل أعقبت يوم استشهاده فواجع استمرت زمنيا من يوم استشهاده صلوات الله عليه حتى يوم أربعينيته قبل أن يعود رأسه الشريف المقدس ليلتحق بالجسد . فضلا عما لحق بذلك من أحداث استمرت إلى يومنا هذا . لذا فهي تحمل سمة الحزن بل الحزن في أوجه وشدة حجمه .
ترى أي كفة يمكن أن ترجح بالتعامل ؟ كفة الحزن أم الفرح ؟
ولعل سمة الحزن هي التي عمقت ومتنت علاقتنا بالسيرة العطرة للإمام الحسين وللأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين .
وما زادنا عمقا وتمسكا ومصداقا بالأمر هو إظهار كل الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم معالم الحزن على الإمام الحسين صلوات الله عليه بل تأكيدهم صلوات الله عليهم على استمرار الحزن . وبما أن قول وعمل الإمام المعصوم صلوات الله عليه وتقريره حجة علينا ذلك ما يلزمنا غاية الإلتزام بالأمر .
وبقداسة الحزن نختم
إن الدوافع التي أوصلتنا إلى قناعة بأن يشغل الحزن مساحة أوسع في تعاطينا مع القضية الحسينية العظيمة وتفاعلنا معها وممارستنا للطقوس أو الشعائر بهيبة ووقار هو تواتر ورود المنظومة الروائية والحديثية التي انطوت على كم هائل من نصوص توصي بترجيح كفة الحزن واعتمادها على فاجعة سيد الشهداء صلوات الله عليه . بل كل الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله ( ما منا إلا مقتول أو مسموم ) وقد لاحظنا أن هذه المنظومة لعلها تخلو من ذكر أحاديث عن اتخاذ الفرح منهجا ـ ( والفرح المقصود الذي نعبر عنه في هذا الزمن أو ما يتصوره البعض أو ما يدعون إليه ) ـ
إذ إن قسما من الداعين والداعمين بشدة لإعطاء الفرح حصة كبيرة في ممارسة الشعائر تتصدر أحاديثَهم عباراتُ التبرير وتحسينُ صورة الفرح متعكزين على إدعاءات تتمحور بعبارة يرددونها أينما حلوا وأينما وجدوا وهي : ( يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا ) والعبارة هذه مقتطعة من حديث للإمام الصادق حيث يقول صلوات الله عليه : ( إن الله تبارك وتعالى إطلع على الأرض فاختارنا واختار لنا شيعة ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا أولئك منا والينا) . وقال صلوات الله عليه : ( رحم اللهُ شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بماء ولايتنا يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا) . والقول الشريف هذا متساوق مع قول الإمام الباقر صلوات الله عليه : ( رحم الله شيعتنا لقد شاركونا بطون الحزن على مصائب جدي الحسين صلوات الله عليه أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين صلوات الله عليه دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا) .ـ شجرة طوبى ج1/ الشيخ محمد مهدي الحائري
هذه النتيجة لعلها تكون خلاصة وافية تغنينا عن الكثير من النقاشات والسجالات وتغنينا بإستنتاجات عقلية نافعة لذا نكتفي بالوقوف عند هذه المحطة ونختم حديثنا
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!