في التَّجاربِ عِلمٌ مستحدثٌ.

مقالات 11 October 2026
بقلم:إياد مهدي عباس.

مرت الشعوب عبر مسيرتها الطويلة بتجارب مختلفة، فلا يكاد يوجد شعبٌ في العالم إلا وقد مرّ خلال تاريخه بتجارب متنوعة تركت آثاراً سلبية أو إيجابية على سلوكه ونمط حياته وكان لها دورٌ مهم في تشكيل توجهاته وبلورة رؤيته تجاه حاضره ومستقبله. ومن الطبيعي أن تستفيد الشعوب من تجاربها وتجارب غيرها فتتجنب الأخطاء وتستثمر النجاحات لأن التجارب لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تتحول إلى دروس تتعلم منها الأجيال، ولعل من أبلغ الأقوال التي تؤكد قيمة التجارب في حياة الإنسان،قول الإمام علي عليه السلام ( في التجارب علمٌ مستحدث) أي أن كل تجربة يمر بها الإنسان سواء كانت ناجحة أم فاشلة تضيف إلى رصيده المعرفي شيئاً جديداً، وهذا المعنى قريب من قول الإمام عليه السلام ( السعيد من اتعظ بغيره، والجاهل من اتعظ بنفسه). أما نحن العراقيين فقد خضنا تجارب عديدة ولعلني لا أبالغ إذا قلت نمتلك سجلاً حافلاً بالأحداث الداخلية والخارجية يفوق ما مرت به شعوب كثيرة في المنطقة والعالم، فقد مرّ العراق خلال تاريخه الحديث بحروب وصراعات وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، فضلًا عن التدخلات الخارجية والتحولات الكبرى التي تركت آثاراً عميقة في حياة المجتمع العراقي، إلى جانب ذلك يمتلك العراق عمقاً حضارياً وتاريخياً يمتد لآلاف السنين وحضارته ما زالت آثارها وعطاؤها شاخصين إلى يومنا هذا، إذ لم يقتصر أثر تلك الحضارة على الجغرافية التي نشأت عليها بل امتد إلى مناطق واسعة من العالم وإلى شعوب لم تكن بينها وبين العراق صلة أو اتصال زمني مباشر،

وعلى الرغم من أننا نعيش اليوم على أرضٍ حملت ذلك الإرث الحضاري العريق ومررنا بكل هذه السنين والتجارب فإن واقعنا الحالي يطرح سؤالاً ملحاً: هل تمكنا فعلاً من تحويل تلك التجارب إلى دروس نستفيد منها في بناء حاضرنا وصياغة مستقبلنا والعبور إلى ضفة النجاح كما عبر غيرنا؟

أو بعبارة أدق: "إذا كانت حضارة العراق قد مَنحت الآخرين دروساً في المعرفة والتعلم، فلماذا نحن اليوم عاجزون عن أن نتعلم من تجاربنا وتاريخنا"؟ وإذا كان الزمن بيننا وبين حضارتنا القديمة بعيداً وثمة فاصل زمني طويل كما يراه البعض، فلماذا لا نتعلم من تجارب الآخرين، ونأخذ من الحاضر ما يمكن أن يعوّضنا عما فاتنا من الماضي، ونبني به مستقبلًا يليق بتاريخنا وحضارتنا؟ وهل نحن بحاجة إلى تجارب جديدة كي نتمكن من معرفة الأخطاء أو المعوقات ؟ وبماذا نفسر مرور أكثر من عقدين ونيّف على التغيير في بلد الحضارات والمسلات، البلد الذي شهد بدايات الكتابة والتدوين وخُطّت فيه أولى الحروف والكلمات إلا إننا مازلنا نشكو من قلة المدارس وانخفاض جودة التعليم وتراجع مخرجاته، في الوقت الذي نشهد فيه زيادة كبيرة في أعداد حملة الشهادات العليا، أليس من حقنا أن نتساءل: كيف يمكن أن يجتمع نقص المدارس وتراجع جودة التعليم مع الزيادة المتسارعة في أعداد حملة الشهادات العليا؟ وما جدوى هذا الكم الهائل من حملة الشهادات العليا ونحن لا نزال نستورد المنتوجات الصناعية بل وأحياناً الزراعة من الآخرين؟

ومن الملفت أيضاً أن البلد الذي شُرعت فيه أولى القوانين التي عرفتها البشرية ودونت فيه أقدم المسلات لكننا وبصراحة مازلنا لا نعطي القانون أهميةً واحتراماً كما ينبغي ولا نحسن التعامل مع فقراته واحكامه، وما زلنا نعيش في واقعٍ إذا سرق فيه الضعيف طاله القانون بأشد عقوباته وإذا سرق فيه المسؤول القوي يتم التفاوض معه أو يناله القانون بأيسر حكمه،

وليس من باب المقارنة إنما من أجل الاطلاع على تجارب الآخرين والاستفادة منها يمكن أن نتوقف عند تجربة دولة صغيرة وحديثة لم تكن تمتلك عند نشأتها ما يمتلكه العراق من موارد وإرث حضاري أو مسلات قانونية عريقة،

إذ سجل لنا التاريخ أنه عندما انفصلت سنغافورة عن ماليزيا بطلب من الاخيرة عام 1965 بكى رئيس وزرائها الأسبق وباني نهضتها "لي كوان يو" متأثراً أمام وسائل الإعلام وهو يتحدث عن مستقبل سنغافورة والتحديات الكبيرة التي ستواجهها تلك الجزيرة إذ إنها تفتقر إلى أبسط أنواع الموارد الطبيعية كالمياه العذبة والمعادن بل وحتى الرمال التي تستخدم في مشاريع البناء يتم استيرادها من دول الجوار حتى صُنفت أنها من أكبر مستوردي الرمال في العالم، إلا أن 《 لي كوان يو 》لم يستسلم لتلك الظروف ولم يُصب شعبه بالإحباط واليأس بل أستطاع أن يحول تلك الصعاب إلى أنجازات والفقر إلى رفاهية، والفوضى إلى نظام والتحديات إلى فرص وقد تحقق ذلك عندما اتبع لي كوان يو استراتيجية ركز فيها على بناء الإنسان وتطوير قدراته، أذ أولى التعليم إهتماماً كبيراً وحارب الفساد بسن قوانين صارمة أسهمت في تنظيم حياة المجتمع وساعدت في نهضته واستقراره بعد أن كانت تسوده الجريمة والفوضى والفقر.

فسنغافورة اليوم تمثل قوة اقتصادية بارزة في آسيا، وأحد أبرز المراكز التجارية والتكنولوجية في العالم وقد تحولت هذه الدولة الصغيرة من جزيرة فقيرة إلى نموذج عالمي يضرب به المثل في الكفاءة الإدارية والاستقرار والابتكار.

ما أريد قوله هو أن الشعوب التي لا تتوقف طويلاً عند محطات الفشل والخلاف، ولا تبقى أسيرةً لها بل تتخذ من تجاربها شِراعاً للنجاة، ومن أخطائها دروساً للمستقبل، تستطيع أن تَعبر بأمان، وتتجاوز عثراتها، وتمضي نحو البناء والازدهار.

فالعراق اليوم يمتلك من الموارد الطبيعية والإمكانات البشرية والمادية ما يؤهله لأن يكون في مصاف الدول المتقدمة لو أُحسن استثمار هذه الطاقات وتوظيفها في بناء الدولة ومؤسساتها.