عامان على الشهادة..حضور القائد وغياب الجسد.

مقالات 27 September 2026
بقلم:إياد مهدي عباس

مضى عامان على استشهاد قائد المقاومة اللبنانية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وما زالت المقاومة اللبنانية تخوض مواجهة مفتوحة مع الاحتلال الصهيوني رغم الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها الكيان والدعم العسكري واللوجستي الذي يحظى به من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول المنطقة والعالم، ورغم الضربات الكبيرة التي تعرض لها الحزب واستشهاد عدد من قياداته ولا سيما الصف الأول، إلّا أنه تمكن من الحفاظ على قدراته التنظيمية والعسكرية والتصدي للقدرات الإسرائلية التي تعد من أعظم القدرات العسكرية في المنطقة وأكثرها تطوراً، ومن أهم العوامل التي يمكن أن تفسر صمود حزب الله وبقاءه متماسكاً رغم الضربات والخسائر الكبيرة ورغم طول أمد الحرب، هي طبيعة بنيته التنظيمية القائمة على أساس عقائدي، مع ايمانه بفكرة المقاومة واعتبارها السبيل الأمثل للدفاع عن الوطن، فإن من سمات التنظيمات ذات الطابع العقائدي أن مسيرتها النضالية عادةً لا تتوقف بغياب قائدها أو استشهاده، بل يمكن أن تتحول رمزية القائد عندها إلى حضور راسخ في ذاكرة أتباعها وتتحول مواقفه وافكاره إلى سلوك يُترجم إلى إصرار على مواصلة المسيرة وتحقيق الأهداف التي آمنت بها، هذا ما يمكن الاستدلال عليه من خلال تجربة حزب الله إذ لم يودِّ استشهاد عدد من قيادات الحزب وفي مقدمتهم أمينه العام السيد حسن نصرالله إلى توقف مسيرته أو تراجع حضوره،

لذلك فإن الحديث عن استشهاد السيد حسن نصرالله وغيابه عن المشهد اللبناني وساحات المقاومة لا يقتصر على استذكار دوره المحوري والبطولي في بناء المقاومة اللبنانية، أو محاولة استعراض تضحيات الحزب اثناء تصديه للاحتلال الإسرائيلي وطرده من لبنان في عام 2000 م، وانما تجاوز ذلك إلى معرفة مدى قدرة المقاومة على مواصلة مسيرتها في غياب قائدها مع حجم التحديات الراهنة ، فمن الأهمية بمكان أن تكون مناسبة الإستشهاد هذه فرصة للتوقف عند المراحل التي سبقت استشهاد السيد وما أعقبها من تطورات سياسية وعسكرية ألقت بظلالها على المشهد اللبناني والإقليمي،  والاطلاع على تحديات تلك الحقبة، لابد لنا من العودة إلى بدايات تأسيس حزب الله والتعرف إلى الظروف التي أحاطت بنشأته وتطوره، اذ تُعد مرحلة تأسيسه من أهم المراحل التي مر بها لبنان في تاريخه الحديث فكان اجتياح الجيش الإسرائيلي للاراضي اللبنانية عام 1982 ووصول قواته إلى العاصمة بيروت من أبرز العوامل التي أسهمت في تسريع تأسيس الحزب وبلورة بنيته السياسية والعسكرية، وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي للبنان تشكلت مجموعات جهادية كان بعضها نواةً لتأسيس مشروع المقاومة والتي تطورت لاحقاً إلى تأسيس حزب الله، فاتخذت هذه المجموعات من المقاومة المسلحة منهاجاً وطريقاً لها في مواجهة الاحتلال الصهيونية، ومن أبرز التطورات الإقليمية التي رافقت نشأة الحزب قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 إذ كان لهذا الحدث الأثر الكبير في دعم نشأة حزب الله فأسهمت الثورة الإسلامية من خلال دعمها المادي والمعنوي اثناء مراحل تأسيسه في ترسيخ نهج المقاومة وتطويره على الساحة اللبنانية، وبعد اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيد عباس الموسوي في شباط من عام 1992 إثر غارة إسرائيلية استهدفته مع افراد عائلته، أنتُخب السيد حسن نصرالله أميناً عاماً للحزب خلفاً له، فتمكن القائد الجديد من استيعاب التحولات السياسية في الساحتين اللبنانية والاقليمية، والتعامل معها بحنكة القائد المتمرس خصوصاً بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان واقرار اتفاق الطائف الذي نص على ضرورة اتخاذ الخطوات اللازمة لتحرير كامل الاراضي اللبنانية إذ ابقى الحزب على سلاحه كسلاح مقاوم للاحتلال الإسرائيلي ولا سيما مع استمرار وجود قوات الاحتلال في بعض المناطق الجنوبية من لبنان، ثم انتقل الحزب بعدها إلى العمل السياسي إلى جانب العمل العسكري كخطوة أولى نحو الاسهام في بناء مؤسسات الدولة اللبنانية واعادة ترميم النسيج الاجتماعي وبناء علاقات متوازنه مع مختلف مكونات الشعب وفق مبدأ الاستحقاق السياسي والاجتماعي لكل مكون، مع رفض الحزب للتقسيمات الطائفية والفدرالية وتمسكه بوحدة لبنان ارضاً وشعباً، وفي هذا السياق دعا الحزب في أحد بياناته إلى العيش السلمي والمشترك بين مختلف مكونات الشعب اللبناني، ومن هذا المنطلق خاض حزب الله الانتخابات النيابية إذ فاز ثمانية من مرشحيه بمقاعد نيابية في البرلمان اللبناني فأصبح الحزب بقيادته الجديدة يجمع بين المقاومة والعمل السياسي والاجتماعي بل وحتى الإعلامي ، وهو ما منحه حضورا وزخماً جماهيرياً واسعاً في الساحة اللبنانية، وفي ظل هذه التحولات السياسي استمر السيد حسن نصرالله في قيادة الحزب حتى استشهاده في 27 أيلول عام 2024 بغارة جوية اسرائيلية على مقر للقيادة في الضاحية الجنوبية لبيروت وبذلك تكون مدة قيادة السيد حسن نصرالله للحزب أكثر من ثلاثة عقود كانت حافلة بالأحداث والتحولات السياسية والمواقف البطولية إلّا أن من إفرازات الحرب الحالية بين حزب الله والتحالف الصهيوأمريكي بروز مواقف متباينة لدول إقليمية كانت على مدى سبعين عاماً تنادي بتحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة من الاحتلال الصهيوني لكن المفارقة اللافتة تتمثل في أنه عندما دخل حزب الله الحرب إلى جانب الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال اتخذت بعض هذه الدول مواقف داعمة للكيان في مواجهة المقاومة والشعب الفلسطيني، وهذا ما دفع بعض المراقبين إلى طرح تساؤلات جدية أمام حزب الله بشأن ضرورة اعادة دراسة بعض مواقفه اخذاً بنظر الاعتبار المتغيرات الإقليمية من أجل تفادي المؤامرات التي تحاك ضد المقاومة مع ضرورة العمل على حماية أرضه وحاضنته الشعبية لاسيما أن الحرب الدائرة حالياً ليست الأولى التي يخوضها الحزب وقد سبق له أن خاض مواجهة واسعة مع الاحتلال عام 2006 وبالتالي المحافظة على مناطق المقاومة وتوفير الأمن لسكانها المدنيين وحمايتها من بطش الأعداء واجب شرعي ووطني حسب رأي بعض المراقبين.