دونالد ترمب والانتخابات النصفية

مقالات 20 October 2026
بقلم:إياد مهدي عباس

أيام قليلة تفصل ترمب وحزبه الجمهوري عن الانتخابات الأمريكية النصفية، في ظل تراجع ملحوظ في شعبيته داخل الأوساط الأمريكية الأمر الذي يضعه أمام اختبار سياسي حاسم قد تكون له تداعيات كبيرة على مستقبله السياسي، فهذه الانتخابات ذات أهمية كبيرة بالنسبة إليه وإلى الحزب الجمهوري، لأنها ستقرر إلى حد كبير قدرته على تنفيذ أجندته خلال العامين المتبقيين من ولايته، فإذا حافظ الجمهوريون على أغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ، فسيكون ترمب أكثر قدرة على تمرير سياساته واتخاذ القرارات التي تتطلب موافقة الكونكرس، أما إذا خسر الجمهوريون هذه الأغلبية أو أحد المجلسين فإن ذلك سيحد من قدرته في تنفيذ برنامجه، وقد يحوّل العامين الأخيرين من ولايته إلى مرحلة من الصراع والمواجهة مع خصومه الديمقراطيين.

لذلك تبدو هذه الانتخابات بالنسبة إلى ترمب أشبه باستفتاء على سياساته وتقيماً لأدائه للفترة السابقة، وفي ظل تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة وتفاقم الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة وهي متغيرات تؤثر بصورة مباشرة في توجهات الناخب الأمريكي وبلورة قناعاته، إذ تشير أحدث استطلاعات مركز «بيو» إلى تراجع شعبية ترمب، فقد بلغت نسبة تأييده نحو 30% في حين قال 44% من الناخبين إن تصويتهم في انتخابات الكونغرس سيكون ضد ترمب، الأمر الذي يعكس حجم التحدي الذي يواجهه هو وحزبه خصوصاً بعد تعثر المفاوضات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية إذ لم تنجح الجولات المتكررة من المفاوضات في التوصل إلى حلول تنهي الحرب والخلافات القائمة بين أمريكا وحلفائها من جهة وإيران والفصائل المقاومة المتحالفة معها من جهة أخرى، لذا يُرجَّح أن يسعى ترمب إلى إيجاد مخرج من هذه الأزمة خلال الفترة المتبقية على الانتخابات النصفية، في ظل أزمة سياسية واقتصادية متزايدة. وتشير المعطيات العسكرية الحالية إلى احتمال اتجاه المواجهة نحو مزيد من التصعيد، خصوصاً بعد دخول فاعل جديد على خط الصراع الدائر في المنطقة يتمثل في جماعة أنصار الله الحوثيين وسيطرتهم على مضيق باب المندب وما يترتب عليه من تداعيات محتملة على أمن الملاحة في المضيق والبحر الاحمر، كما أن ما يُتداول اليوم بشأن الاستعداد لشن عمل عسكري واسع يكون مختلفاً في حجمه وطبيعته عن العمليات السابقة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يستند إلى رصد نشاطات عسكرية جديدة تتمثل باستقدام طائرات حربية وقطع بحرية ووصول تعزيزات جديدة إلى المنطقة، ويأتي ذلك في ظل عجز الولايات المتحدة الأمريكية طوال الفترة الماضية عن تحقيق أهدافها فضلًا عن فشلها في ضمان استمرار الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، الأمر الذي أسهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية وألقى بظلاله على مستقبل ترمب السياسي، لذا يبدو أن خيارات ترمب باتت محدودة، فهو أمام خيارين ، الأول: أن يحقق انتصاراً كبيرا في حربه على إيران بما يرضي حلفائه ويعزز موقفه السياسي في المنطقة والعالم، والخيار الثاني: أن يبدي مرونة في المفاوضات والقبول بتقديم بعض التنازلات للتوصل إلى تسوية مع إيران وهو ما قد لا يُرضي بعض حلفائه في المنطقة، والأمر الذي قد يُفسَّر من بعض خصوم ترمب على أنه تراجع سياسي وعسكري وانكسار لهيبة الولايات المتحدة الامريكية.

وهذا ما قد يثير مخاوف ترمب من أن يُنظر إليه بوصفه المسؤول عن تراجع مكانة الولايات المتحدة عالمياً، وأن مجرد شعوره بإمكانية أن يُسجَّل مثل هذا التراجع في عهده، لاسيما في ظل الدور التحريضي الذي قد تمارسه بعض الدول لدفعه نحو مواصلة المواجهة مع إيران وانصار الله الحوثيون ، بما قد يضيّق هامش المناورة السياسية أمامه ويضعه أمام خيارات أكثر صعوبة. ما قد يشكل ذلك دافعاً إضافياً له لخوض حرب يسعى من خلالها إلى حسم المواجهة وتحقيق انتصار حتى وإن كان ذلك ينطوي على كلفة باهظة وتداعيات خطيرة.

ومن جانب آخر يرى بعض المحللين العسكريين انه ينبغي للقيادة الإيرانية أن تسعى إلى تفويت الفرصة على ترمب وحلفائه من خلال تجنب الخطوات التي قد تمنح واشنطن مبررا لتوسيع المواجهة العسكرية وأن تأخذ بالحسبان أن دخول الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة عسكرية واسعة ومدعومةً إقليمياً، قد يجعل المعركة مختلفة هذه المرة، ما يؤدي إلى حجم كبير من الدمار فضلًا عن نتائج قد تتجاوز حدود المواجهة وربما تمتد لتشمل جغرافية المنطقة برمتها.لا سيما أن سجل الولايات المتحدة الأمريكية حافل بالحروب العسكرية التي خلّفت دمارا كبيراً ومعاناة إنسانية في مناطق عديدة من العالم ، فضلًا عن لجوئها في بعض النزاعات إلى استخدام أسلحة محظورة دولياً، وفق ما وثقته تقارير وحالات معروفة.لذلك من الأهمية بمكان التوصل إلى اتفاق يضمن حقوق جميع الاطراف ويُجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تكون لها تداعيات خطيرة على شعوب المنطقة وأمنها واستقرارها. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بالقدرة على خوض الحروب وتحقيق الانتصارات العسكرية فحسب، بل بالقدرة على صناعة السلام وتجنّب الدمار وأن السلام ليس بالضرورة علامة ضعف أو تراجع بل قد يكون تعبيراً عن الحكمة والثقة بالنفس وحسن تقدير المصالح.