متى تُميزون عدوكم من صديقكم؟

مقالات 06 September 2026
بقلم:حيدر عاشور

متى تنجلي الغشاوة لنتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في مواقف الرجال؟ يوماً بعد يوم، تجذر المرجعية الدينية العليا مفهوم الاستقلال التام عن بريق السلطة ومغانم السياسة، مؤكدة باليقين القاطع أنها مقامٌ خالصٌ لوجه الله تبارك وتعالى. مقامٌ وُجد لخدمة الإنسان، وهداية النفوس إلى الحق، والتمييز بين الحلال والحرام، مستندةً إلى كتاب الله، وسنة رسوله الكريم، وهدي عترته الطاهرة، والتقرب إلى الله بالدعاء والتضرع المأثور عن أئمة الهدى عليهم السلام. لم يكن من ديدنها يوماً مقابلة الإساءة بمثلها، مهما بلغت شراسة الخصوم أو ناصبها الحاقدون العداء؛ بل كانت -وما برحت- صوتاً رصيناً يدعو للحوار البناء، ويفشي قيم التسامح، ويسعى لتشييد وطن آمن مقتدر يستظل بظل القانون ويحترم شتى الأديان والمذاهب. وفي قبالة هذا الأفق الرحب، يخرج بين الحين والآخر من يتميز غيظاً، فيتطاول بسفهٍ على مقام العمامة التي استقرت هيبتها وقدسيتها في وجدان الأمة، متناسياً أن رفعتها أسمى من أن تنال منها النفوس المأزومة، أو الضمائر المُرتهنة بفتات الدنيا.

أتشرف بالحديث إلى العقول الواعية والبصائر الناضجة: متى يحين أوان التمييز بين من يبني صرحنا الديني والوطني لبنةً لبنة، ومن يسعى جاهدًا لتقويض أركانه؟.. إن في هذا الوطن رجالاً وعلى رأسهم المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، صمام أمان العراق يمثلون العين التي ترعى الأمة خلف الحجب، والصوت السامي الذي يلهج بالدعاء في غيابات الصمت، والقوة الجماهيرية التي لا تنصاع إلا لنداء المرجعية العليا. ألم تنكأ الذاكرةُ بعدُ جراحَ (داعش) الإرهابية، وأفواجِ التكفير؟ إن تلك المنظومة المأجورة لا تزال تتغذى على أموال الجهات المتطرفة، عبر عواصم تتلفع برداء الإسلام، بينما هي خاوية من روحه ورحمته، مستسلمة لسطوة الدولار والتبعية الخارجية. إن آيات القرآن واضحة بين أيديكم، فمتى تستفيق البصيرة لتميزوا الصديق من العدو؟.

تساؤلٌ يؤرّق وجدان الوطن: متى يندمل جرح الطائفية الغائر؟ ومتى تذوب الفوارق بين العراقي وأخيه، لتبسط الهوية العراقية سيادتها بوصفها المعيار الأوحد لبناء دولة مقتدرة ومتحضرة؟ إننا نتطلع إلى جيلٍ يدرك قيمة الأرض وحرمة الإنسان، جيلٍ يقدّس التنوع العقائدي الذي تشرّبه من أرومة أجداده، ليتعايش بسلامٍ يُصان فيه الحق، وتُحترم فيه الشعائر؛ فلكل عقيدة ومذهب طقوسٌ مقدسة تعكس كينونتها. لكن، وببالغ الأسى، ما إن نلمح مرافئ الاستقرار، حتى يطلّ بوجهه مأجورٌ أو جاهل؛ ليفجّر زوبعة من الفتن، متدثراً بعباءة البطولة والوطنية، وما هو في واقع الأمر إلا معول هدم.

على الرغم من فداحة التجاوز الذي استهدف مقام المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله)، جاء رده متسامياً ينمّ عن سعةِ صدرٍ واستيعابٍ أبوي؛ إذ أمر بإخلاء سبيل المسيء قائلاً: «فأطلقوا سراحه، واتركوا الناس تقول عني ما تريد، حتى تعرف الحقيقة يوماً، أو تعرفها يوم تبلى السرائر».

وليس هذا العفو بمستغربٍ منه، بل هو امتدادٌ لنهجٍ راسخٍ في الصفح والتسامي. إنّ الولاء الحقيقي لا تصنعه الكلمات الجوفاء، بل تصقله المواقف العاصفة؛ ففي الرخاء يرتدي الجميع قناع المودة، وفي الشدائد تتهاوى الأقنعة طوعاً أو كرهاً. وهنا يبرز السؤال الأعمق: ليس كيف نلتقي بالآخرين، بل في أيّ لحظة فارقة بين خذلانٍ مفاجئ أو نجدةٍ صادقة، سنميز الصديق من العدو؟ وسيبقى السؤال قائماً: متى تدركون حقيقة من حولكم؟.. ومتى تُميزون عدوكم من صديقكم..؟.

الوسوم: حيدر عاشور