إعلان حكومة الإمام الحسين في زيارة الأربعين.. رمزية التغيير أم رسالة إصلاح؟
نعم، أقولها وبكامل قواي العقلية، وبلا تردد أو شك: إنها حكومة الإمام الحسين (عليه السلام). فما تشهده مدينة كربلاء المقدسة اليوم من وفود أكثر من( 172) جنسية، وما أراه رأي العين هو أكبر تجمع بشري دولي في التاريخ المعاصر؛ بشر من كل الأجناس، والملل، والطوائف، يرفعون أعلامهم ويهتفون لبيك يا حسين. إنهم لا يحضرون زيارة تقليدية، بل يعلنون في مؤتمر الأربعين العالمي أنهم أفراد في هذه الدولة العظمى، وخاضعون لطوع مرجعيتهم الدينية العليا، في مشهد يعيد صياغة مفهوم السيادة والولاء العابر للحدود. إن أزماتنا المعاصرة تعود لغياب الوعي بالمسؤولية، وتبرز زيارة الأربعين كعلاج فاعل عبر إيقاظ الضمير وإشعال حس الواجب. وقد تجسد هذا المبدأ بوضوح في ثورة الإمام الحسين عليه السلام ومواقف السيدة زينب (عليها السلام) التاريخية، مما يحتم على كل فرد الالتزام بدوره تجاه المجتمع الحسيني.
إن ما نعاني منه اليوم من أزمات مستعصية يعود إلى غياب الوعي بالمسؤولية، في حين تقدم زيارة الأربعين وثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وصوت السيدة زينب (عليها السلام) العلاج الأنجع لإحياء هذا الوجدان وتجديد الشعور بالمسؤولية الفردية تجاه المجتمع. إن إحداث التغيير الحقيقي يبدأ من إدراك الفرد لمسؤوليته التاريخية في مواجهة الواقع المرير، فلا إصلاح يلوح في الأفق دون طاقات واعية تحرك السواكن وترفض الانهزام المبكر.
تُمثّل زيارة الأربعين في عمقها الدلالي والسياسي إعلاناً متجدداً بأن الشعوب الحية لا تساوم على مبادئ الإصلاح ولا تنسى عناوين العدالة. إنها ليس مجرد طقس عابر، بل هي رسالة سياسية حادة وصارخة في وجه كل منظومات الاستبداد، تؤكد أن (حكومة الحسين) الروحية تظل النموذج الأبدي والأرقى في إدارة شؤون الحياة بالإيثار، والرفض المطلق للظالمين، وحماية كرامة الإنسان.
فانطلاق الملايين نحو كربلاء يعكس صمتاً جماهيرياً متحدثاً (أو صوتاً جماهيرياً حياً)، ويرفض الخنوع، ويجدد العهد مع ثورة الإصلاح الحسيني كمنهج دائم للحرية. والحشود الهائلة تعلن بوضوح لا تقبل الهوادة رفضها لكل أشكال الخنوع والتبعية للظالمين. المسير ليس مجرد طقس سنوي، بل هو استفتاء جماهيري مستمر على دعم ثورة الإصلاح ومقاومة الفساد في دولة الامام الحسين الروحية. وهذا التواجد الهائل يعطل مشاريع التزييف وطمس الهوية الثورية الوهمية، ويبقى جذوة الإصلاح مشتعلة. فهل يا ترى هذا التجمع الضخم يظهر قدرة الجماهير على توحيد صفوفها وصناعة رأي عام عالمي مناصر للحق ومناجزة طغاة العالم من امريكا وإسرائيل والخانعين لهم من الاعراب..؟.
تثبت كربلاء في كل مناسبة زيارة مليونية أنها ليست مجرد محطة تعبدية عابرة، بل هي مدرسة متجددة تضخ في ضمير الإنسانية معاني الثورة والكرامة. هذا الحشد البشري الهائل الذي يتوافد نحو مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) يمثل طاقة حية وضمانة حقيقية لاستمرار مسيرة الإصلاح والطلب بالعدالة في كل زمان ومكان. تعلمنا زيارة الأربعين وكل تجمع حسيني أن الصمت على الفساد غير مسموح، وأن صرخة الحسين ضد الطغيان هي نبراس دائم لكل الأحرار. لذا تتجدد في هذه الملايين أخلاقيات الإيثار، التكاتف، والتضحية، حيث تسقط الفوارق الطبقية والعرقية ليقف الجميع في صف واحد تحت راية العدل. والحضور الدائم والمكثف يحافظ على بقاء القضية الحسينية حية في الوجدان البشري، كمنارة لا تنطفئ ضد الاستبداد.
اجزم ان الملايين المتحركة نحو كربلاء ليست أعداداً صامتة، بل هي إرادة جماعية واعية ترفض الذل وتعلن انتماءها لخط الإصلاح. ونرى ذلك واضحا في المواكب والخدمات التي يقدمها الحسينيون من طعام ومأوى تعكس مجتمعاً متضامناً وقادراً على إدارة نفسه وتنظيم أضخم تجمع بشري في التاريخ بلا عجز. هذا التواجد الضخم هو رسالة بليغة لكل المفسدين بأن الدم الحسيّن امتدد في أمة لن تقبل بالهوان، وأن طريق العدالة محمي بهذا السيل البشري الجارف.
تظل كربلاء شمعة توقظ الضمائر، ويبقى هذا الحشد المليوني درعاً حصيناً لقيم الإصلاح والكرامة. إنها طاقة متجددة تثبت للعالم أن الحسين (عليه السلام) ليس ابن عصره فقط، بل هو إمام الأحرار في كل العصور، وأن أتباعه على العهد باقون