توهات الهوية.. وسقوط الأقنعة.. ووهم البطل
لم يعد بمقدور العين العارية أن تميز بين طهارة الشريف ورياء اللص؛ فقد اختلطت الأدوار وتوارت المعايير خلف ضباب كثيف. يتلقى الشعب العراقي صدماته اليومية كمن يسير في حقل ألغام من المفاجآت، حتى تحولت لوحة الحياة من زحمة الألوان البراقة إلى مساحات رمادية باهتة، ما فتئت تنزلق تدريجياً نحو عتمة سوداء لا تبقي ولا تذر. وسط هذا الخراب المبرمج، يرتفع السؤال الأصعب والأثقل: من أين يأتي الفارس النزيه؟.. الحقيقة المرّة التي يجب الاعتراف بها، أن الخلاص لن يمتطي صهوة حصان أبيض قادم من الغيب. الفارس المنتظر ليس شخصاً يُنتخب أو يُصنع في كواليس الصراع، بل هو الوعي الجمعي حين يقرر ألا يكون شريكاً في الجريمة، وحين يتوقف الشعب عن البحث عن بطل أسطوري، ليبدأ هو، شيئاً فشيئاً، في إعادة رسم ألوانه الحقيقية بيده. من هذا المنطلق نرى ان المجتمعات المعاصرة تعيش أزمة عميقة تتمثل في تيه الهوية وضياع المعالم، وهو مناخ خصب تتبدل فيه الملامح وتسقط الأقنعة المزيفة التي غلفت وجوه الأفراد والنخب طويلاً. وفي ظل هذا الخراب المعنوي، يبرز وهم البطل كمسكن وهمي، ليعيد تدوير الاتكال على المخلص الفرد بدلاً من بناء الوعي الجمعي القادر على التغيير الحقيقي.
يعيش مجتمعنا اليوم مخاضاً صعباً وواقعاً تتقاطع فيه الأنياب الخفية مع الوجوه المستعارة؛ حيث يتفشى الخداع وتُطمس الحقائق على أيدي فئة تسلقت إلى واجهات المشهد العام. يرتدي هؤلاء المتسلقون أقنعة براقة من النزاهة المزيفة، محاولين إخفاء حقيقتهم المظلمة ونواياهم النفعية. هذا التناقض بين ما يُظهرون وما يُبطنون ليس مجرد سلوك فردي شاذ، بل هو وباء أخلاقي يهدد ثقة الأفراد ببعضهم ويُضعف مناعة المجتمع بأكمله.
في زحام هذا التزييف، تبرز الحقيقة الساطعة، النزاهة الحقيقية لا تحتاج إلى مساحيق تجميل أو شعارات رنانة صاخبة. العمل الصالح النقي يتحدث عن نفسه بصمت وثبات، بينما يعوض الزيف عن فقره الأخلاقي بارتفاع الأصوات وتضخيم الأنا. إن كثرة اللصوص المقنعين الذين يتقنون فنون الخطابة والادعاء ليست سوى اختبار يومي لقوة وعينا الجمعي، ومحك حقيقي لأصالة معادننا الأخلاقية التي لا تزييفها صدمات الواقع. يفرض هذا التحدي واجباً حتمياً لا يقبل التراخي؛ يتمثل في كشف زيف هؤلاء المدّعين دون خوف أو تردد. لا يمكن مواجهة الخداع بالصمت، بل بنشر الوعي النقدي، وتفكيك سرديات المخادعين، والتمسك بالقيم الأصيلة التي تبني الإنسان وتحمي الأوطان. إن حماية مصلحة المجتمع تبدأ من رفض كل ممارسات التضلّل والانتهازية، وإغلاق الأبواب أمام كل من يسعى لخراب الروح العامة والعبث بمقدرات الناس. باليقظة الدائمة، والصدق الذي لا يلين، والعمل الجاد، تتهاوى الأقنعة المزيفة وتنكران الوجوه على حقيقتها. هكذا يُبنى المجتمع النظيف؛ مجتمع تسوده عدالة الحق، وخير البناء، وأمان الضمير. وحين يصحو الوعي، يصبح البقاء للأصل، ويزول الزيف كأن لم يكن، ليتمكن الجميع من العيش في بيئة نقيّة يسودها السلام والاستقرار.
• نقطة ضوء، متى نرى العراق كما نريد؟.. متى نرى العراق كما نتمناه وطناً متطوراً، يعلو فيه الضمير إلى أسمى مراتب الإنسانية، وتستقيم فيه العدالة فلا تميز بين مواطن وآخر إلا بالحق والقانون؟.. متى نشهد بزوغ عصر قادة حقيقيين، لا تعرف ولاءاتهم وجهةً سوى تراب الوطن وخدمة أهله الأبرار؟ متى يرتجف قلب الموظف خوفاً وأمانةً على لقمة عيش الشعب، ويستشعر عظم المسؤولية في كل توقيع وكل قرار؟.. متى تنفض المؤسسات الحكومية عنها غبار الروتين والفساد، لتستيقظ كل صباح لا لهدف سوى راحة المواطن ورفعة شأنه؟.. ومتى يصبح كل خير هذا البلد العظيم من كهرباء وماء وخبز ونفط وغاز وسكن وصحة، حقاً مباحاً وملکاً مصوناً لكل ابن من أبناء العراق، لا تمنّ به سلطة ولا تسلبه يدُ إهمال؟.. إن الحلم ليس مستحيلاً، فوتر الضمير الحي لم يُقطع بعد في أرواح الشرفاء، وكل عتمة مهما طالت، ينتظرها حتماً انبلاجُ فجرٍ ونقطة ضوء.