حين تحكي خمسة ملايين دولار قصة دولتين!!
في إحدى ضواحي باريس الهادئة التي أعيش فيها، والتي لا يتجاوز عدد سكانها اثنين وعشرين ألف نسمة، كنت قبل أيام أمارس هوايتي المفضلة في المشي عندما استوقفني إعلان كبير نُصب عند مدخل أحد الشوارع الرئيسية، لم يكن الإعلان عن مشروع عقاري جديد أو مركز تجاري حديث، بل عن مشروع لإعادة تأهيل شبكة المياه في المدينة بأكملها.
المبلغ الذي رصدته بلدية المدينة للمشروع خمسة ملايين دولار تقريبا وهذا الرقم يعتبر رقماً كبيراً هنا في فرنسا ويحمل معنى مختلفاً تماماً حين يصرف على مشروع خدمي، فهو مخصص لتحديث شبكة مياه توفر ماءً صالحاً للشرب لأكثر من عشرين ألف مواطن، وتضمن وصول المياه النظيفة إلى المنازل بكفاءة عالية ولعقود قادمة.
خمسة ملايين دولار ستتحول إلى انابيب جديدة وتجهيزات وبنية تحتية يستفيد منها الجميع والأهم من ذلك أن كل دولار ينفق في المشروع سوف يصرف في مكانه المناسب دون ضياع وسوف يكون خاضعاً للرقابة والمحاسبة والقوانين الصارمة التي تحمي المال العام.
في مكان آخر من هذا العالم، وتحديداً في العراق، تناقلت وسائل الإعلام خبراً صادماً عن امرأة أقدمت على حرق خمسة ملايين دولار أمريكي كانت مخبأة في منزل زوجها بعد إلقاء القبض عليه بتهم تتعلق بالفساد حيث داهمت قوات الأمن المنزل وفوجئت بوجود مئات الرزم الورقية من فئة المئة دولار تحترق في تنور المنزل!!! خمسة ملايين دولار كاملة تحولت إلى رماد.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في احتراق هذا المبلغ الضخم، بل في أنه لم يكن سوى جزء صغير من ثروة غير مشروعة قُدرت بمئات الملايين من الدولارات المسروقة بطريقة احترافية من المال العام بإستغلال الفاسد منصبه الوظيفي الرفيع، وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة، فالمبلغ الذي يكفي في مدينة أوروبية صغيرة لتحديث شبكة مياه كاملة تخدم آلاف الأشخاص، لا يمثل في بعض ملفات الفساد في العراق سوى رقم هامشي ضمن عشرات او مئات المليارات المنهوبة التي كان يفترض أن تُخصص لبناء المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والطرق والخدمات العامة.
ان الفرق الحقيقي بين المشهدين لا يكمن في قيمة المال، بل في الطريقة التي يُدار فيها هذا المال، ففي دولة يصرف فيها المبلغ لتقديم خدمة عامة لالاف المستفيدين بينما في دولة أخرى يحرق المبلغ دون اكتراث واهتمام لانه وببساطة تم الاستحواذ عليه دون وجه حق قانوني.
في فرنسا والدول التي تحكمها القوانين، يمكن أن يتحول مبلغ مليون دولار إلى قضية رأي عام وقضية قضائية تتابعها وسائل الإعلام والمحاكم لسنوات ولعل ما تعرض له الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي خير مثال على ذلك!! فلم يكن الحديث عن سرقة خزائن الدولة أو الاستيلاء على أموال عامة، بل عن أموال اعتُبرت غير قانونية لأنها جاءت من جهة أجنبية بصورة تخالف القواعد المنظمة للحياة السياسية ومع ذلك، تحرك القضاء وفتحت الملفات وخضع الجميع للمساءلة وحكم علي نيكولا ساركوزي بالسجن لسبع سنوات ولم يشفع له منصبه السابق كرئيس لدولة عظمى ولم تشفع له منجزاته التي قدمها اثناء فترة حكمه.
أما في العراق، فما تزال أخبار الفساد تتكرر بصورة تكاد تكون يومية، مسؤول يُلقى القبض عليه بتهم فساد موثقة، وآخر تصدر بحقه مذكرة توقيف، وثالث تكشف التحقيقات امتلاكه ثروات هائلة لا تتناسب مع دخله الرسمي، وغيرهم يعترف صراحة وعلناً في لقاء تلفزيوني بتقاضيه رشوه ثم لا يلبث كثير منهم أن يستعيدوا حريتهم بفعل قرار عفو مرتب خصيصا لهم أو يختفوا عن الأنظار حتى تنسى القضية او يستمروا في فسادهم بفعل شبكة معقدة من العلاقات والمحسوبيات والتدخلات التي تحميهم من المسائلة وتضعف قدرة القضاء على محاسبتهم.
إن الدول لا تُقاس بحجم ثرواتها الطبيعية ولا بمقدار الأموال التي تدخل خزائنها، بل بقدرتها على حماية المال العام وتوجيهه لخدمة المواطن، فخمسة ملايين دولار يمكن أن تصبح شبكة مياه حديثة ترفع مستوى الحياة في مدينة ما، ويمكن في الوقت نفسه أن تصبح مجرد رقم منسي في ملف فساد يضم مئات الملايين من الدولارات!! وبين المشهدين يمكن أن ندرك الفارق بين دولة تحترم القانون وتطبقه بشكل عادل على الجميع دون تمييز او استثناء وبين دولة ليس للقانون فيها سلطة الا على الفقراء والمساكين، وحين يكون القانون فوق الجميع، تتحول الملايين إلى مشاريع وخدمات وفرص لحياة أفضل أما عندما يصبح النفوذ والاشخاص أقوى من القانون، فإن مئات المليارات قد لا تكفي لبناء وطن يستحقه أبناؤه.