على نار هادئة.. كيف تُصنع الديكتاتوريات بأيدي الشعوب؟!

مقالات 13 May 2026
بقلم: د. فراس مصطفى

الديكتاتور لا يسقط من السماء، ولا يولد وفي يده سوط الاستبداد، بل تصنعه المجتمعات بصمتها وخوفها وتقديسها للأشخاص، حتى يتحول الإنسان العادي بين عشية وضحاها إلى طاغية يرى نفسه فوق الدولة والشعب والقانون.

إن أخطر ما في الديكتاتورية أنها لا تبدأ بالدبابات والسجون، بل تبدأ نفسياً وثقافياً واجتماعياً، حين يتخلى الناس تدريجياً عن حقهم في النقد والمساءلة، وحين تتحول الطاعة من قيمة إدارية إلى عقيدة مقدسة.

فكرة صناعة الديكتاتور قديمة بقدم السلطة نفسها، فالإمبراطور الروماني نيرون مثلا، لم يكن في بدايته وحشاً يحرق المدن ويقتل معارضيه، لكنه نشأ وسط طبقة من المنافقين الذين أقنعوه بأنه عبقري لا يخطئ، حتى انتهى به الأمر إلى قتل أقرب الناس إليه وإحراق روما بينما كان الناس يموتون والفوهرر (الزعيم بالالمانية) هتلر لم يصل إلى السلطة عبر معجزة، بل عبر شعب محطم نفسياً بعد الحرب العالمية الأولى، يعيش الإهانة والفقر والبطالة، فوجد في الخطاب الشعبوي والخوف من الآخر خلاصاً مؤقتاً، ثم شيئاً فشيئاً تحول الرجل المنتخب ديمقراطياً إلى واحد من أكثر الطغاة دموية في التاريخ، لأن الجماهير نفسها سلمته عقولها قبل أن تسلمه السلطة.

وفي الاتحاد السوفيتي، لم يصبح ستالين ديكتاتوراً فقط لأنه كان قاسياً، بل لأن آلاف المسؤولين والحزبيين والمثقفين ساهموا في صناعة صورته كقائد معصوم، فكانت الجماهير تصفق له لساعات خوفاً من التوقف أولاً، لأن أول من يتوقف قد يُتهم بالخيانة حتى أن بعض الاجتماعات كانت تستمر فيها موجات التصفيق بشكل هستيري لأن الجميع خائف من أن يبدو أقل ولاءً من الآخرين وهنا يتحول الخوف الجماعي إلى مصنع للطغيان.

أما في بلداننا العربية فلم تكن فكرة الديكتاتور مرتبطة بأنظمة الحكم فقط، إنما تحولت إلى ثقافة يومية فالمواطن ينحني للمسؤول الصغير قبل الكبير، ويعامل المدير كأنه مالك المؤسسة لا موظف فيها، ويخاطب المسؤول بألقاب تتجاوز حدود البشر، حتى تصبح الدولة بكل مفاصلها قائمة على فكرة الشخص الواحد، وكيل الله الذي لا يُسأل ولا يُحاسب!! وهكذا تصبح مؤسسات الدولة مجرد ديكور ومسميات فرعية أُختُزِلَتْ بشخصية الفرد والجميع ينتظر إشارته حتى لو كان القرار خاطئاً أو كارثياً.

إن أخطر لحظة في صناعة الديكتاتور هي اللحظة التي يبدأ فيها الناس بتبرير الخطأ بدلاً من مواجهته، الموظف الذي يرى فساد مديره ويسكت خوفاً على راتبه يشارك، ولو بصمت، في بناء سلطة فاسدة والمثقف الذي يزين أخطاء الحاكم بالكلمات الرنانة يتحول من صاحب رأي إلى بائع أوهام ورجل الدين الذي يمنح نفسه الشرعية المطلقة ويغلف كل ما يفعله او يقوله بالروايات المقدسة فإنه يساهم في تحويل السياسة إلى قداسة لا يجوز الاقتراب منها او النقاش فيها!!.

والأخطر من هذا وذاك، الحاشية التي تحيط بالدكتاتور، فهي أخطر من الطاغية نفسه، لأنها تعزله عن الواقع وتبني حوله جداراً من الأكاذيب وتقنعه بأن الشعب يعيش حياة الرفاهية في ظل حكمه في حين أنه يئن من الجوع والمرض والحرمان.

إن صناعة الديكتاتور تبدأ من التربية والنشأة الأولى، فحين يُربى الطفل على الطاعة العمياء لا على الحوار، وعلى الخوف لا على التفكير، يصبح مستعداً لتقبل أي سلطة قمعية في المستقبل وحين تنشر المدرسة المناهج المشبعة بالأفكار الهدامة فانها تخلق جيلا مؤدلجاً، والأديان التي تعتبر السكوت تقية ووجوب طاعة ولاة الأمر في كل شاردة وواردة فانها صنعت قطعانا تُقاد ولا تقود، وعندما يرى المجتمع في النقد اهانة وتطاول فقد زرع البذور الأولى للاستبداد ولذلك فإن المجتمعات الحرة لا تُقاس فقط بصناديق الانتخابات، بل بقدرة الناس على قول “لا” في وقتها المناسب دون خوف أو وجل.

 الإنسان الحر مكروه ومحارب دائما من قبل الطغاة، لأن الحرية تفضح هشاشة الطاغية ونظامه ولهذا تبدأ الديكتاتوريات دائماً بتحطيم المعلم والمثقف والصحفي النزيه والكاتب الحر والقاضي المستقل، لأن هؤلاء يمثلون المرايا التي تكشف الحقيقة وعندما تختفي الحقيقة، يصبح الكذب سياسة رسمية، ويصبح التصفيق بديلاً عن الإنجاز، وتتحول الأوطان إلى مسارح كبيرة للخوف والنفاق.

في كثير من الأحيان، يظن الناس أنهم يحمون أنفسهم بالصمت، لكنهم في الحقيقة يؤجلون لحظة الانفجار، فالديكتاتور الذي لا يجد من يوقفه عند حدّه يتمادى حتى يبتلع الجميع، بمن فيهم أولئك الذين صنعوه وصفقوا له والتاريخ القديم والحديث مليء بالشواهد، وزراء وقادة ومقربون انتهوا ضحايا للطغيان الذي ساهموا هم أنفسهم في بنائه.

إن الاستبداد ليس مشكلة حاكم فقط، بل أزمة وعي جماعي فالحاكم المستبد لا يستطيع الاستمرار وحده، بل يحتاج إلى شعب يخاف، ونخب تنافق، وإعلام يُلَمِّعْ، ومؤسسات ضعيفة، وإلى مجتمع تعود على الانحناء أكثر من اعتياده على الكرامة ولهذا فإن سقوط الديكتاتور لا يعني دائماً سقوط الديكتاتورية، لأن العقلية التي صنعته قد تبقى حية، تبحث فقط عن وجه جديد تعلق عليه صور التقديس.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يقتنع بأن الحرية رفاهية، وأن الكرامة خطر، وأن السكوت حكمة!! عندها يصبح الطريق ممهداً لولادة طغاة جدد، مهما تغيرت الأسماء والشعارات فالديكتاتور في النهاية ليس مجرد شخص واحد يجلس على كرسي الحكم، إنما مجموعة تدير شؤون الدولة من خلف الكواليس وهي نتيجة طبيعية لمجتمع سمح للخوف أن يكون أقوى من الحقيقة، وللتملق أن يكون أعلى صوتاً من الضمير!!

الوسوم: فراس مصطفى