RSS
2026-11-06 18:25:42

ابحث في الموقع

حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. ثلاثة مواقف إِجتماعيَّة

حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. ثلاثة مواقف إِجتماعيَّة
بقلم: نزار حيدر

{إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}.

  بإِزاءِ عمليَّات التَّغيير التاريخيَّة ينقسِمُ المُجتمعُ إِلى [٣] أَقسام:

  *قِسمٌ يتحمَّلُ مسؤُوليَّتهُ على أَيةِ حالٍ حتَّى إِذا كانَ وحدهُ {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} فهوَ يُصغي إِلى نداءِ المسؤُوليَّة ولا يعيرُ اهتماماً للمُرجفينَ الذينَ همَّهم زرع اليأس في صفُوفِ المُصلحينَ {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.

  يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {واعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ولَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وعَتْبِ الْعَاتِبِ}.

  ليسَ في قاموسِ هذا القسمِ معنىً لمفهومِ اليأَس والتَّراجُعِ فإِذا رأَى المُجتمع مُستسلِماً يضعُ العصي في عجلةِ التَّغييرِ أَو رآهُ يلهث وراءَ قافلةَ الفاسدينَ ساعياً للحصولِ على لحسةٍ من بقايا قصاعهِم لم يسترسِل معهُم أَو يستسلِم للأَغلبيَّةِ الجاهِلةِ وإِنَّما يواجههُم بالقَولِ {وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} لأَنَّهُ يفهمُ جيِّداً ماذا تعنيهِ مسؤُوليَّاتهِ {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖوَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} كما يُشيرُ إِلى ذلكَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) بقَولهِ {وإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ ولَا لُبِسَ عَلَيَّ} فصاحِبُ البصيرةِ لا تتحكَّمُ فيهِ الأَهواءُ والضُّغوطات النَّفسيَّة والهجَمات المُرتدَّة من الإِنهزامييِّينَ.

  هو لا يسمحُ لنفسهِ بالخسارةِ أَو الهزيمةِ لأَنَّهُ صاحِبُ رسالةٍ {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا}.

  إِنَّهُ يعطي للمسؤُوليَّةِ حقَّها مهما اشتدَّ ضدَّهُ الخطْبُ أَو زادت عليهِ الهجماتِ المضادَّة {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.

  تحكمهُ الثِّقةُ بالنَّفسِ واليقينُ بتحقيقِ الهدفِ والصَّبرُ على مضضِ الطَّريقِ، فإِذا غزا الشكُّ قلوبَ النَّاسِ لسببٍ ما فإِنَّهُ يلجأُ إِلى يقينهِ فيثبُت {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}.

  يوصي أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) ولدهُ مُحمَّد بن الحنفيَّة لمَّا أَعطاهُ الرَّايةَ يَومَ الجَمَلِ بالثَّباتِ الذي مصدرهُ اليقينُ بالنَّصرِ بالأَخذِ بالأَسبابِ {تَزُولُ الْجِبَالُ ولَا تَزُلْ! عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ أَعِرِ اللَّه جُمْجُمَتَكَ تِدْ فِي الأَرْضِ قَدَمَكَ ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ وغُضَّ بَصَرَكَ واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّه سُبْحَانَه}.

  وإِذا رأى أَنَّ أُسلوباً واحداً لا ينفعُ في الإِقناعِ لم ييأَس وإِنَّما يظلُّ يجرِّبُ فيغيِّرُ وسائلهُ وعينهُ على الهدفِ {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا* وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا* ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا* ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا}.

  وهكذا هي طبيعةُ صاحِب الرِّسالة لا يضعُف ولا يستكين ولا تستدرجهُ المطامِعُ ولا تغشُّهُ الأَغلبيَّة ولا يستسلِم للظُّروف ولا يخافُ من هجماتِ الذُّبابِ الإِليكترُوني {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.

  فالتحدِّي يزيدهُ عزيمةً وإِصراراً والمخاطرُ تُضاعِفُ إِرادتهُ وتصقلُ مواهِبهُ وتؤَكِّدُ ثباتهُ {وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإِذا مسهُ قرحٌ أَو خسرَ شيئاً أَو أُصيبَ بشيءٍ وهوَ يقاتلُ ويجتهدُ ويُثابرُ من أَجلِ التَّغييرِ وفضحِ الفاسدينَ تذكَّرَ بأَنَّهم كذلكَ يصيبهُم ما أَصابهُ ولكنَّهم لا يحصدُونَ ما يحصدهُ {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

  *قِسمٌ ينتظرُ النَّتائجَ فإِذا أَحسَّ أَنَّ الكفَّةَ مع الفاسدينَ اصطفَّ معهُم ضدَّ المُصلحينَ وإِذا شعرَ العكسُ فيُصحِرُ بولائهِ للمُصلحينَ ضدَّ الفاسدينَ فهوَ على استعدادٍ لتبنِّي المواقِفِ المُتناقِضةِ {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}.

  ميزةُ هذا القسمِ النِّفاقُ وازدواجُ الشخصيَّةِ فهوَ لا يهتمُّ بالمُجتمعِ ولا يحملُ نظرةً إِيجابيَّةً للمستقبلِ إِنَّما اهتمامهُ منصبٌّ فقط على حمايةِ مصالحهِ الخاصَّة ولتذهَب الأُمَّةُ للجحيمِ.

  إِنَّهُ يغالطُ نفسهُ ويخدعَها للوصولِ إِلى أَهدافهِ الأَنانيَّة ولذلكَ فكُلُّ شيءٍ عندهُ بالمقلوبِ كما يصفهُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) بقَولهِ {فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّهِ والْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ واسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلًا وبِالِاغْتِرَارِ نَدَماً}.

  *قِسمٌ يقفُ على التلِّ دائماً ولا يبرحهُ أَبداً فهوَ لا عليهِ بما يجري في المجتمعِ وما هي طبيعةُ السُّلطةِ ومن الذي يقُودُ التَّغيير والإِصلاح ومَن الذي يدفعُ الثَّمن؟! فإِذا تعرَّضَ للظُّلمِ على يدِ الحاكمِ المُستبدِّ يظلُّ مُتشبِّثاً بموقعهِ فوقَ التلِّ بانتظارِ التَّغييرِ ورفعِ الحيفِ عنهُ من دونِ أَن يضحِّي بشيءٍ أَو يرمي حجراً {قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}.

  هوَ ينتظرُ النَّتائجَ من دونِ أَن يقدِمَ على أَيِّ نوعٍ من التَّضحيةِ وكأَنَّ الله تعالى خلقَ البشرَ من طبقَتينِ واحدةٌ تضحِّي والثَّانيةُ تحصِد!.

  ولعلَّ أَتعسُ ما يتَّصِفُ بهِ هذا القِسمُ هوَ أَنَّهُ لا يُحرِّكُ ساكناً ولا يقبلُ أَن يُحرِّكَ غيرهُ ساكِناً، فمثلاً، بدلاً من أَن يشدُّ على يدِ الحركييِّنَ ولَو بشقِّ كلمةٍ طيِّبةٍ يُبادِرُ لتثبيطهِم ورُبَّما توبيخهِم لأَنَّهُم تحرَّكُوا ففضحُوا فاسِداً أَو عرَّوا فاشِلاً!.

  وهُنا مكمنُ الخطأُ التَّاريخي الذي تقعُ فيهِ الشُّعوب البائسة والنَّتيجةُ أَنَّها تظلُّ تحتَ سُلطةِ القهرِ والعبوديَّةِ باستمرارٍ! تتغيَّرُ الوجوهُ والخلفيَّاتُ والأَزياءُ إِلَّا أَنَّ الجَوهرَ يبقى ذاتهُ من دونِ تغييرِ يُذكرُ، ولقد قالَ السِّير إِدمُوند بيرك الزَّعيم البريطاني منَ القرنِ الثَّامن عشَر [أَنَّ الشَّيء الوحيد المطلُوب لانتصارِ الشرِّ هوَ أَلَّا يفعلَ الرِّجال الصَّالحُونَ شيئاً] عندما يقفُونَ على التلِّ يتفرَّجُونَ!.

  إِنَّهم ينتظرُونَ مخلوقاتٍ تنزلُ من الفَضاءِ لتغيِّر الحالَ نحوَ الأَفضلِ والأَحسنِ شريطةَ أَن لا يحمِّلونهُم أَيَّ نوعٍ من المسؤُوليَّةِ مهما صغُرت!.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!