ويقضي الاتفاق بانسحاب القوات التركية من معسكر بعشيقة، المعروف أيضاً بمعسكر زليكان، وذلك بموجب ورقة تفاهم تقضي ببسط الدولة العراقية سلطتها على مدينة سنجار بالكامل، وتفكيك أذرع حزب العمال الكردستاني وإنهاء وجوده فيها، على أن تسحب أنقرة قواتها من الموقع تدريجياً وتغادر محافظة نينوى الحدودية مع سورية.
ووفقاً لبيان عراقي تركي مشترك صدر عقب الاجتماع، فقد اتُّفق نهائياً على "بسط سلطة الدولة العراقية بالكامل في سنجار، وإنهاء وجود العناصر الأجنبية المسلحة المحظورة"، في إشارة إلى الجماعات التابعة لحزب العمال الكردستاني. وبحسب البيان المشترك، تسلّم تركيا معسكر بعشيقة - زليكان إلى الحكومة العراقية تدريجياً، وفق الآلية والجدول الزمني المتفق عليهما.
وقال مصدر عسكري عراقي في بغداد، أن نهاية العام الحالي هي الموعد النهائي لانسحاب القوات التركية من موقع معسكر بعشيقة وإنهاء وجودها فيه بالكامل. وأوضح المصدر، أنه خلال فترة قريبة جداً سيغادر وفد عسكري من بغداد إلى نينوى، على رأسه رئيس أركان الجيش عبد الأمير يار الله، لدخول سنجار وبدء تنفيذ عملية نزع سلاح الفصائل الأيزيدية الموالية لحزب العمال وتفكيكه، ونشر قوات الجيش العراقي وفرض سلطة الدولة على سنجار، وصولاً إلى مثلث فيشخابور العراقي السوري التركي.
وأكد أن العراق سيمنح المقاتلين غير العراقيين مهلة لمغادرة المنطقة، وقد تكون شهراً واحداً، قبل بدء تنفيذ الإجراءات التي اتُّفق عليها في بغداد، قبل توجه رئيس الوزراء إلى نيويورك. وعقب إعلان العراق وتركيا الاتفاق، قال المبعوث الأميركي الخاص توم برّاك إن "إعادة أنقرة قاعدة زيلكان إلى بغداد وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما تمثل أحد خيوط التحول، إذ تتحقق سيادة العراق وأمن تركيا في آن واحد".
معسكر بعشيقة: خاصرة الموصل الأمنية
تقع قاعدة بعشيقة، أو زليكان العسكرية، في محافظة نينوى شمالي غربي العراق، على بعد نحو 10 كيلومترات من بلدة بعشيقة ونحو 30 كيلومتراً شمال شرقي مدينة الموصل. وتحمل القاعدة اسم زليكان نسبة إلى القرية التي تقع فيها، على رأس مرتفع جبلي متوسط الارتفاع، لكنها اشتهرت سياسياً وإعلامياً باسم قاعدة بعشيقة.
تأسست القاعدة في آذار 2015، خلال ذروة سيطرة تنظيم داعش على الموصل. وكان هدفها "المُعلن" هو تدريب القوات التركية ومسلحي "حرس نينوى" -أسسها أثيل النجيفي سنة 2014-، لقتال مسلحي تنظيم "داعش". وقدمت القوات التركية، التي بلغ عدد أفرادها بضع مئات من الجنود، ومعها مدرعات وأسلحة دفاعية ومدفعية، برامج تدريب وتجهيز للقوات المتصدية لتنظيم "داعش" آنذاك. وكان الموقع بمثابة نقطة صد لمنع تمدد مسلحي "داعش"، ولتدريب القوات التي تقاتل التنظيم ودعمها، وفقاً للرواية التركية.
لكن تمدد حزب العمال الكردستاني المعارض لأنقرة ووصوله إلى مدينة سنجار أدّيا لاحقاً إلى تغيير كامل في واقع المعسكر؛ إذ انتقلت نظرة تركيا إلى معسكر بعشيقة من موقع لدعم المقاتلين المناوئين لـ"داعش" وتدريبهم إلى موقع ذي أهمية أمنية لها، خصوصاً مع تحوّل سنجار إلى معقل جديد للحزب، وقربها من سورية، وتعاون الحزب مع "قسد".
وفي عام 2016، قدّرت تقارير عراقية محلية عدد الجنود الأتراك في الموقع بأكثر من 500 جندي، مع دبابات وأسلحة دفاعية ومراصد مراقبة، لتتحول القاعدة إلى أزمة سياسية بين أنقرة وبغداد إبان حكومة حيدر العبادي، التي قدمت شكوى إلى مجلس الأمن الدولي. وردّت تركيا بأن وجودها جاء بناءً على اتفاق مع العراق، ضمن جهود دعم الحرب على الإرهاب. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت بعشيقة واحدة من أبرز نقاط الخلاف بين العراق وتركيا بشأن الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية.
وتعرضت قاعدة بعشيقة لسلسلة من الهجمات، من بينها هجوم عنيف في كانون الأول 2015، شنّه تنظيم "داعش" بالصواريخ وبشاحنة مفخخة يقودها انتحاري. وقالت الخارجية التركية آنذاك إن الهجوم أدى إلى إصابة أربعة جنود أتراك ومقتل متدربين عراقيين اثنين وإصابة أربعة آخرين، وردّت القوات التركية بقصف مواقع للتنظيم.
وأصبحت القاعدة لاحقاً هدفاً متكرراً للصواريخ والطائرات المسيّرة. ونُسب عدد كبير من هذه الهجمات إلى جماعات استخدمت أسماء مختلفة. وبلغ عدد الهجمات أكثر من 25 بين عامي 2021 و2023، بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وكان أبرزها هجوماً صاروخياً في نيسان 2021، أدى إلى مقتل جندي تركي وإصابة آخرين.
وتبلغ مساحة القاعدة نحو خمسة كيلومترات مربعة. ولم تُنشأ لغرض أمني تركي داخلي، لكنها تحولت إلى ذلك بعد توسيع حزب العمال الكردستاني المعارض لأنقرة (PKK) نطاق وجوده، وبناء تحالف عابر للحدود مع "قسد" في الجانب السوري، ما جعل معسكر بعشيقة مكاناً مثالياً للوجود العسكري بالنسبة إلى تركيا.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!