RSS
2026-09-25 16:28:52

ابحث في الموقع

إلغاء دعم الوقود يرفع كلفة البناء بالعراق

إلغاء دعم الوقود يرفع كلفة البناء بالعراق
تشهد أسواق مواد البناء في العراق موجة ارتفاع حادة منذ مطلع أيلول الجاري، بعد زيادة أسعار الوقود المجهّز للقطاع الصناعي بأكثر من 300%، إثر رفع الدعم الحكومي عن المنتجات النفطية المجهزة للقطاعات الاقتصادية، ما انعكس سريعاً على كلف إنتاج الإسمنت والطابوق ومواد إنشائية أخرى، بالتزامن مع ارتفاع كلف النقل والتشغيل.

وامتدت تداعيات رفع الدعم عن الوقود وارتفاع أسعاره من المعامل إلى الأسواق ومواقع الإنشاء، إذ سجلت أسعار مواد البناء ارتفاعات متفاوتة، فيما قلص عدد من المعامل إنتاجه أو توقف عن العمل نتيجة ارتفاع كلف التشغيل. وانعكس ذلك على حركة البناء، مع تأجيل مواطنين أعمال بناء وترميم منازلهم، وتراجع الطلب على البنائين والعمال وأصحاب الآليات والمهن المرتبطة بالقطاع، وسط مخاوف من امتداد موجة الغلاء إلى أسعار المساكن والمجمعات السكنية وكلف المشاريع الحكومية والاستثمارية.

وتعود الأزمة إلى قرار مجلس الوزراء العراقي رفع الدعم عن أسعار المنتجات النفطية المجهزة للقطاعات المختلفة، اعتباراً من الأول من أيلول 2026، مع استثناء المنتجات الرئيسية المجهزة للمواطنين، ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الوقود الصناعي الذي تعتمد عليه صناعات محلية في عمليات الإنتاج.

وكان التأثير أكثر وضوحاً في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وفي مقدمتها معامل الإسمنت والطابوق، إذ أدى ارتفاع كلفة الوقود إلى زيادة كلفة المنتج النهائي، قبل أن تنتقل الزيادة إلى أسواق مواد البناء، وتضغط على نشاط الإنشاءات، في وقت بدأت فيه الحكومة بحث تداعيات القرار، وإمكانية معالجة احتياجات القطاع الصناعي من الوقود.

معامل تتوقف وعمال يفقدون أعمالهم

في السياق، قال تاجر المواد الإنشائية، أحمد العواد، إن السوق شهد خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعات واسعة، شملت الإسمنت والطابوق والبلوك والرمل والحصو والحديد، فضلاً عن أجور النقل، ما رفع كلفة البناء وأضعف حركة الطلب.

وأوضح العواد، أن سعر طن الإسمنت ارتفع من نحو 90–100 ألف دينار إلى 140–150 ألف دينار، بالتزامن مع ارتفاع أسعار بقية المواد وكلف النقل، ما دفع مواطنين إلى تقليل مشترياتهم أو الاكتفاء بإنجاز مرحلة من البناء، فيما أوقف آخرون أعمالهم مؤقتاً.

وأضاف أن المبيعات تراجعت بصورة واضحة، وأن الركود امتد إلى مواقع البناء، مع انخفاض الطلب على المواد الإنشائية والبنائين والعمال والمهن المرتبطة بالقطاع، مضيفاً أن أصحاب الآليات والجرافات والشاحنات تضرروا إلى حد كبير وتوقفت أعمالهم.

من جانبه، أكد صاحب معمل لإنتاج الطابوق، كريم العبيدي، أن رفع الدعم عن الوقود الصناعي أحدث قفزة كبيرة في كلفة الإنتاج، بعدما ارتفع سعر ليتر النفط الأسود المجهّز للمعامل من نحو 100 إلى 480 ديناراً، بزيادة بلغت نحو 380%.

وأوضح العبيدي، أن المعامل لم تتمكن من استيعاب هذه الزيادة، إلى جانب كلف العمال والنقل والصيانة، ما دفع أعداداً كبيرة من معامل الطابوق في عدة محافظات إلى التوقف، فيما خفّضت أخرى كميات إنتاجها وساعات العمل.

وأشار إلى أن استمرار أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية، بالتزامن مع تراجع حركة البناء والطلب، قد يدفع مزيداً من المعامل إلى التوقف، لافتاً إلى أن انخفاض الإنتاج انعكس بالفعل على العمال، من خلال تقليص أيام العمل أو الاستغناء عن بعضهم، ما يهدد مصادر رزق أعداد كبيرة من الناس.

تداعيات قرار رفع الدعم

بدوره، أفاد عضو لجنة النفط والغاز والثروات الطبيعية في مجلس النواب، محمد علي النعيمي، بأن الحكومة بدأت بحث تداعيات قرار رفع الدعم عن المنتجات النفطية المجهزة للقطاعات، بعد ظهور انعكاساته على عدد من الصناعات، مشيراً إلى وجود توجّه لمعالجة آثار القرار، بما يضمن استمرار عمل المصانع، من دون العودة إلى الدعم بصورته السابقة.

وأوضح النعيمي، أن مجلس الوزراء كلف وزارتي النفط والصناعة والمعادن بإعداد دراسة لتحديد احتياجات القطاع الصناعي من النفط الأسود وإمكانية توفيره، بهدف تحديد الاحتياجات الفعلية للمصانع والوصول إلى آلية مناسبة لتجهيزها بالوقود في ظل الأسعار الجديدة.

وأضاف أن الارتفاع الكبير في كلف الوقود انعكس بصورة مباشرة على الصناعات التي تعتمد على النفط الأسود، وفي مقدمتها معامل الإسمنت والطابوق، ما يستدعي تقييم قدرة هذه المنشآت على مواصلة الإنتاج وتحمّل الزيادة الحالية في الكلف.

وأشار النعيمي إلى أن المعالجة المطروحة لا تعني العودة إلى الدعم المفتوح، وإنما الوصول إلى آلية للتسعير والتجهيز توازن بين حماية إيرادات الدولة واستمرار الصناعة الوطنية، بالتوازي مع تشديد الرقابة لضمان وصول الوقود إلى الجهات المستحقة.

صدمة الوقود تربك الإنتاج

من جانبه، حذّر الخبير الاقتصادي، عبد السلام حسن، من التعامل مع رفع دعم الوقود باعتباره وسيلة سريعة لتقليل النفقات العامة، من دون احتساب التداعيات الأوسع للقرار، مؤكداً أن الأموال التي توفرها الحكومة نتيجة تقليص الدعم قد تقابلها خسائر اقتصادية أكبر.

وأوضح حسن، أن المشكلة تكمن في تطبيق زيادات كبيرة ومفاجئة على كلف الطاقة، من دون منح القطاعات الصناعية وقتاً كافياً للتكيّف معها، خصوصاً أن الصناعة العراقية تواجه أساساً تحديات تتعلق بالطاقة والتمويل والمنافسة، وهو ما قد يضعف قدرتها على منافسة السلع المستوردة.

وأضاف أن استمرار الضغط على المنتج المحلي قد يقود تدريجياً إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق، وبالتالي فإن جزءاً من الوفر الذي تستهدفه الدولة قد يقابله خروج مزيد من العملة الأجنبية لتمويل الواردات.

وأكد حسن أن المعالجة لا تتطلب العودة إلى الدعم المفتوح، وإنما اعتماد أسعار وقود صناعية مدروسة ترتبط بالكميات المستخدمة فعلياً في الإنتاج، مع تشديد الرقابة لمنع تسرب الوقود المدعوم إلى السوق.

وشدد على أن رفع الدعم، إذا كان ضرورياً، ينبغي أن يكون تدريجياً ووفق جدول واضح، بما يمنح المصانع فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.




المصدر: العربي الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!