RSS
2026-09-24 17:52:34

ابحث في الموقع

الألقاب العلمية.. أسماء فخمة وتأثير غائب

الألقاب العلمية.. أسماء فخمة وتأثير غائب
بقلم: حيدر سلام

لا يفتقر المجتمع العراقي الى الشهادات العلمية والاكاديمية المتخصصة والرفيعة في المجالات والعلوم التطبيقية والانسانية المختلفة، بل نمتلك عدد كبير من الشهادات موزعة بيننا حتى في مجالات يصعب علينا احيانا ادراك الغاية منها لندرتها وتخصصها فوق الدقيق.

يتميز العالم الثالث والعربي والعراقي خصوصا بظاهرة الاستعراض بالالقاب العلمية العالية والمتعددة والسعي الكبير على اكتساب هذه الالقاب واحيانا سهولة الحصول عليها حتى يبدو للمراقب وكأن غاية الدارسين قد تحولت من التأثير في المجال العلمي المعني وتطوير الفرد والارتقاء بالشريحة المؤثر عليها من قبل حامل اللقب الى اكتساب اللقب بحد ذاته كغاية نهائية.

مع وفرة الالقاب العلمية نلاحظ جميعا غياب اثر هذه الالقاب في الحياة العملية والعلمية لمجتمعاتنا وغياب دور حاملي هذه الالقاب او عجزهم عن اداء الدور المناط بهم في التطبيق والتصحيح والتطوير في المجالات التي يتخصصون بها وما ينعكس من تاثير هذا المجالات على المجتمع والدولة بشكل عام.

يعود السبب في هذا الغياب التطبيقي والتأثيري للتخصص العلمي في مجتمعنا الى ظاهرة يمكن ان نسميها بـ(التحديد العلمي للشهادة الاكاديمية) ونعني به تحديد المساحة العلمية والاخلاقية للشهادة العلمية وأحيانا تفريغها بشكل شبه كامل وتحويلها الى ما يشبه الزي الاستعراضي لحامليها.

ويعود سبب هذه الظاهرة الى خلل في بنية النظام التعليمي سواء في المؤسسات التعليمية او في مفهوم الافراد عن عملية التعليم، فبينما يفترض بالمؤسسة العلمية ان تمارس دور البحث والتنوير العلمي خصوصا في الدراسات المتقدمة فهي لا زالت تمارس التلقين والتلخيص والتكرار والتحديد في العلوم والمناهج الموضوعه لها ولا تعمد الى فتح مساحات للتفكير والاضافة والتجديد في ذهن طلبتهافهي مؤسسات جامدة منهجيا وسلوكيا ومحددة وتنتج القاب علمية جامدة بدورها وتستمر الدورة التعلمية منكشمة تحت ظل هذا الجمود وتتوالد جيلا بعد جيل.

وعلى المستوى الذاتي للافراد يمكن تقسيم مفهوم الدراسة الى نوعين:

الاول هو الدراسة من اجل تحقق المفهوم العلمي في الدارس أي تحقق فكرة الطبيب مثلا في الفرد الدارس للطب وتتضمن عملية الدراسة هنا الاحاطة بهذا التخصص من جميع جوانبه ونواحيه , قريبها وبعيدها , شائعها ونادرها وتفترض عملية الاحاطة هذه على الدارس ان يتوسع ويتجاوز المناهج المحددة للامتحان المؤهل لاكتساب اللقب مما يدخله في اطار الفرد الباحث اكثر من الدارس فالغاية هي تحقق مفهوم الطبيب المختص في الفرد وتأثيره على العلم المدروس وعلى المجتمع موضع التطبيق والتأثير.

اما النوع الثاني فهو الدراسة من أجل اكتساب اللقب العلمي بحد ذاته لا من اجل تحقق المفهوم في الفرد وتطبيقاته فيعمد الدارس الى التركيز على المنهج الامتحاني فقط بل ويذهب الى ابعد من ذلك في عملية التحديد العلمي إذ يتم دراسة ما يناسب المؤسسة والاستاذ واسلوبه الامتحاني فقط مما يضمن اجتياز الامتحان فينتج عندنا لقب علمي محدود وفقير علميا ولا يحقق من مفهوم اللقب الا شهادة اجتياز الامتحان. 

من الواضح وخصوصا للمختصين والذين خاضوا مسار العملية التعليمية في العراق ان مؤسساتنا من النوع الجامد وان مفهومنا عن الدراسة هي من الصنف الثاني الساعي الى اجتياز الامتحان واكتساب اللقب الا ما ندر.

فتقوم اغلب هيئاتنا التعليمية بتحديد المنهج ثم يقوم الاستاذ بتحديد اجزاء من المنهج لتدريسها بما يناسب الوقت المحدد للعام الدراسي ويتم تلخيص هذه الاجزاء بما يعرف بالملازم العلمية ويعمد الطلبة بدورهم الى تلخيص الملخص أصلا بما يناسب الامتحان وعندما يتحول الطلبة الى اساتذه مستقبليين يلخصون بدورهم ما هو ملخص منذ ايامهم وهكذا حتى تتجرد العملية وتتحول من التنوير العلمي الى التلقين فلا يعود للالقاب العلمية اثر ودور حقيقي في مجالات الحياة لانها القاب فقيرة علميا ومحددة وتهدف الى المحافظة على ما هو سائد لانه يناسب حدودها المعرفية.

ومن هذا التحديد المعرفي وبعض الفاشية السلطوية المتجذرة في الفرد العراقي ومنهم بعض الافراد الاكاديمي نرى ان عملية النقاش داخل الدرس العلمي ممنوعة في احيان كثيرة وربما محدودة جدا اذا كانت مسموحة لان عملية النقاش والتساؤل يمكن ان تتجاوز الحدود المعرفية للاستاذ مما يوقعه في حرج، فتعمد الشخصية المؤسسية المبنية على التلقين والاستقبال السلبي للمعرفة الى ضغط ومنع كل عملية تساؤل او اعتراض او تفكير خارج المألوف ممكن ان يواجهها، دون قصد منها لإرساء التخلف العلمي او محاربة عملية التنوير لكنها جامدة دون وعي منها او بوعي لكنها استسلمت لهذا الجمود والذي هو ضد نوعي وعدو طبيعي للتنوير لان التنوير يتصف بالحركة المستمرة في جوهرة.

من هنا تفتقد الالقاب العلمية لدينا للتأثير الفعلي في الفرد والمجتمع والدولة لانها تخلو من البعد المفاهيمي المراد من اللقب حيث لا تمارس الصنف الصحيح من عملية التعلم والدراسة وتحيط معرفتها المتخصصة حدود الجهل والتطور العلمي المستمر من كل جانب وتتصف بالجمود وتسلك سلوك التلقين التعليمي كما في المدارس الابتدائية بطريقة لا تصلح حتى للاطفال في المجتمعات الحديثة والتي بلغ منها التنوير مبلغا حتى كأنها تحفظ مقال “ما التنوير” لكانط عن ظهر قلب بينما لم يسمع به ولم يقرأه اصلا بعض الاكاديميين لدينا. 

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!