RSS
2026-08-02 15:43:05

ابحث في الموقع

أزمة السيولة في العراق.. خيارات حرجة بين تأمين الرواتب وحماية الاحتياطيات الأجنبية

أزمة السيولة في العراق.. خيارات حرجة بين تأمين الرواتب وحماية الاحتياطيات الأجنبية
تشهد الساحة الاقتصادية في العراق، حالة من الترقب مع استمرار تأخر صرف الرواتب، إذ لم تُستكمل حتى الآن عملية صرف مستحقات الشهر الماضي، في وقت تعتمد فيه الدولة بشكل شبه كلي على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة العامة.

ومع تأثر أسواق الطاقة والتوترات الإقليمية التي انعكست على حركة الصادرات النفطية، برزت تساؤلات واسعة بشأن الأسباب الحقيقية لأزمة السيولة، وما إذا كانت تعود إلى نقص في الأموال، أم إلى تحديات في إدارة التدفقات النقدية وتوقيتات الإنفاق الحكومي.

خارطة إنقاذ السيولة

مع استمرار أزمة السيولة التي تواجهها المالية العامة في العراق نتيجة تراجع الإيرادات النفطية، تتجه الأنظار إلى الخيارات المتاحة أمام الحكومة والبنك المركزي لضمان تمويل الإنفاق العام، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمتقاعدين، وسط تحذيرات من أن بعض الحلول قد تفرض أعباءً إضافية على المواطنين.

ويرى الخبير الاقتصادي وأستاذ علم الاقتصاد في الجامعة العراقية، عبد الرحمن المشهداني، أن الاحتياطي الأجنبي للبنك المركزي ليس مخصصاً لمعالجة أزمة السيولة الحكومية، بل يمثل أداة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، موضحاً أن دوره الرئيس يتمثل في تمويل الاستيرادات الخارجية والمحافظة على استقرار الأسواق والسيطرة على معدلات التضخم.

وأوضح المشهداني، أن الاحتياطيات الأجنبية تكفي لتغطية تجارة العراق الخارجية لمدة عام، إلا أن أزمة السيولة الحالية ترتبط بالمالية العامة، بعد تراجع الإيرادات النفطية التي كانت تمثل المورد الأساس للموازنة العامة.

وأشار المشهداني إلى أن الحكومة قد تضطر إلى الاقتراض من البنك المركزي لتأمين الرواتب والإنفاق الشهري بالدينار العراقي، مبيناً أن قدرة البنك على تمويل الحكومة قد تمتد حتى شهر أيلول، لكن استمرار الأزمة بعد ذلك قد ينعكس على الأسعار ويؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، ولاسيما إذا استمرت الحرب وتأثر صادرات النفط. 

وأضاف أن الخيارات المتاحة أمام الحكومة تبقى محدودة، وتشمل رفع أسعار بعض الخدمات العامة، وزيادة الرسوم والضرائب، أو اللجوء إلى الادخار الإجباري، وحتى تقليص بعض مخصصات الرواتب، محذراً من أن مثل هذه الإجراءات قد تؤدي إلى ردود فعل شعبية في ظل استمرار تراجع مستوى الخدمات.

وفي ما يتعلق بمزاد بيع العملة، أوضح المشهداني أنه يمثل إحدى الأدوات المهمة لإعادة تجميع السيولة، من خلال بيع الدولار لتمويل الاستيرادات مقابل سحب الدينار من السوق، لافتاً إلى أن تراجع الصادرات النفطية أفقد الحكومة إحدى أهم آليات توفير السيولة.

وشدد على أن البنك المركزي يواصل الدفاع عن استقرار سعر الصرف وتمويل الاستيرادات، معتبراً أن الاقتراض الخارجي يبقى الخيار الأفضل للحكومة لتجاوز الأزمة، بدلاً من استنزاف الاحتياطيات الأجنبية.

تدخلات نقدية محدودة

أكد الخبير المالي والمدير السابق في البنك المركزي، محمود داغر، أن البنك المركزي لا يتدخل بشكل مباشر لمعالجة الأزمات المالية، إذ إن صلاحياته محددة بموجب القانون، لكنه يمتلك أدوات غير مباشرة تسهم في دعم الاستقرار المالي وتوفير السيولة.

وأوضح داغر، أن من أبرز هذه الأدوات خصم حوالات الخزينة لدى المصارف، وهي آلية تساعد في تعزيز السيولة ودعم المالية العامة، بما يسهم في التخفيف من آثار الأزمات المالية.

وأضاف أن تعديل سعر صرف الدينار يُعد من الأدوات التي يمتلكها البنك المركزي، إلا أنه يمثل خياراً استثنائياً لا يتم اللجوء إليه إلا عند استنفاد الوسائل الأخرى، مشيراً إلى أن هذا الإجراء يهدف إلى تسهيل معالجة الأزمة المالية وإنعاش المالية العامة.

ولفت إلى أن البنك المركزي سبق أن استخدم هذه الأداة في فترات سابقة عند الضرورة، مؤكداً أن تغيير سعر الصرف يبقى من أصعب القرارات الاقتصادية، ولا يُتخذ إلا في حالات استثنائية تتطلب تدخلاً واسعاً لدعم الاستقرار المالي.

إصلاحات قبل الحلول

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي محمد الحسني، أن أزمة السيولة الحالية لا تعكس نفاد أموال الدولة بقدر ما تكشف الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة للتدفقات النقدية، ولا سيما في ظل اعتماد العراق بشكل شبه كلي على الإيرادات النفطية التي تأثرت بالتطورات الإقليمية.

ويؤكد الحسني أن الأولوية يجب أن تنصب على ضمان صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين بانتظام، من خلال إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي، وتأجيل بعض النفقات غير الضرورية، بما يضمن استمرار تمويل الالتزامات الأساسية للدولة.

ويضيف أن إصدار سندات حكومية داخلية قد يشكل خياراً مؤقتاً لتوفير السيولة، لكنه لا يمثل حلاً دائماً، إذ ينبغي أن يترافق مع إصلاحات مالية واقتصادية تعزز الإيرادات غير النفطية، وتقلل اعتماد الموازنة على مورد واحد.

ويشير إلى أن تجاوز الأزمة يتطلب تنسيقاً أكبر بين السياسة المالية والسياسة النقدية، مع الحفاظ على احتياطيات البنك المركزي واستقرار سعر الصرف، محذراً من أن أي إجراءات تزيد الأعباء على المواطنين يجب أن تكون آخر الخيارات، لما قد تتركه من آثار على القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي.


المصدر: شفق نيوز
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!