RSS
2026-05-30 12:08:49

ابحث في الموقع

ما تبقى من آثار فضيحة القرن الصورة وخلفياتها !

ما تبقى من آثار فضيحة القرن الصورة وخلفياتها !
بقلم: سهيل سامي نادر

هذه الصورة هي ما تبقى من فضيحة القرن. الموت صورة حسب ريجيس دوبريه، وفضيحة القرن باتت ميتة وخلّفت لنا صورة عنها. أتحدث هنا عن الصورة إذن، ولا سيما أن الفضائح تختفي بسحر النظام السياسي حتى أن روائحها تتلاشى أو تختفي بتكاثر الروائح التي تعطّل الحواس، وكل ما يتبقى لنا صورة أريدَ لها أن تدلل على وجود سلطة تمارس اليقظة على أموال الدولة.

لحسن الحظ ما تبقى قابل للتحليل من دون إشارات فاسدة. الصورة المقصودة هي تلك التي ظهر فيها السيد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في قضية (فضيحة القرن)، من دون الاستعانة بخطابه المقترن بها. لأن الصورة بدلاً من أن تكون دليلاً مادياً على مضمون خطابه، أثارت الخلل فيه.  

على عكس لقطات الصور الفوتغرافية التذكارية أو الوثائقية التي تولد في لحظة زمنية سرعان ما يطويها الماضي من دون أن تتكرر، تكشف هذه الصورة تنسيقات نظام سياسي يحسّن صورته. لقد صُممت تصميماً متحذلقاً يكشف شيئاً ليخفي أشياء، وفي محاولة إقناعنا بإظهار نضدات من نقود مستعادة كدليل وشاهد!

ثمة إرادة حاسمة، ولحظة مستعجلة، أملت هذا الظهور المجسّد، فلم يعد الكلام وحده كافياً بل جرى تنطيق الصور وتوسيع حضورها الزاهي لإظهار ضخامة ما عُدّ إنجازاً متمثلاً بنضدات النقود التي تبهر المشاهدين المستسلمين للأقدار. ثمة كلام لم يقله الخطيب توفره هذه الصورة المنفّذة بفن الفاترينة، أو البسطية.

صاحب الشأن قائد سياسي وليس مقدم برنامج إعلاني، وهو في موقف أعدّ إعداداً غير مناسب لموقعه، وأظن أن من أعدّه مستشار شعبوي منافق منتبه لمقاصد الصور البليغة قبالة الكلام القابل للغموض والتأويل والدحض، ولا سيما بوجود خليط هائل من الكلام الكاذب والكلام المملح. إن تقديم أمثلة بالصور يختصر الكلام بجميع أنواعه!     

إزاء ذلك هل ثمة مشكلة في عدم كفاية التعبير اللغوي قبالة حجم الأموال المسروقة؟ وهل المشكلة في حجم هذه الأموال بما يجعل منها فضيحة بجلاجل وتحتاج إلى إخماد أصداء الجلاجل؟!

بيد أن الفضيحة بجلاجلها وبأصدائها مودع في تنظيم هذه الصورة وما يختفي خلفها. تتكلم الأموال في سياق تموقعها المثير في ديكور سلطوي كلاماً مرئياً، تجسّد بأكوام مصرفية محسوبة ومرزومة حتى يصلنا كلامها بقوة مسنوداً ومقترناً بكلام المسؤول الأول في السلطة. ذلكم هو تلازم التوثيق بالتسويق، والهدف أن نصدّق. ومن يكذّب أكوام النقود المرتبة مثل شاهدين يقفان على يسار ممثل السلطة وعلى يمينه؟ عيوننا هي الأخرى، إذا لم يتدخل العقل النقدي، سوف تشهد وتسلّم بالأمر. والصورة معدة إعداداً صريحاً تضع كل شيء في مكانه: ترتيب تناظري يظهر رجل السلطة الأول في موقع مركزي ما بين رمزين لشعار الجمهورية وعلم مرفوع، وما بين كدسي مال مُستعاد. لقد أريد له أن يتصور مع أموال تلبّستها روح دليل مرئي ساحر لكي تنقل سحرها إليه فيبدو حارساً يقظاً على أموال الشعب.

والأموال ليست مجرد كلمة وردت في خطاب، بل صورة جرى إعداد تصميمها لكي تتكلم أمامنا بوجود ممثل السلطة الذي سمح لها أن تتكلم، ولا يدري بسبب عادات السلطة في التظاهر والتقرب المفضوح من الشعب، أنها تسيء إليه وتشوش على كلامه، وتشحذ الرغبات المكبوتة في الحصول على المال والسلطة. فصور أكوام النقود تغري أولئك الفقراء جداً لكن عديمي الأخلاق ممن قبض اليأس والحسد على رقابهم ، كما تغري الأغنياء جداً الذين اعتادوا نشب أظافرهم في لحم الفقراء البؤساء عديمي الحيلة، والاثنان شكلا في ظروف الاحتلال جماعات النهب المنظم والفوضوي: حثالات المجتمع وحثالات السياسة!   

هذه الصورة بعناصرها، ورتبتها الرسمية الاستثنائية، لا يمكن أن تشاهد في أي مكان من العالم.  

لكن ماذا قالت بالضبط؟ في الإجابة على هذا السؤال نقترب من مقاصد سلطة أدركت أن موقعها في عيون شعبها سيء إلى حد أن القليل المسيّس وحده من سيصدقها، وأنها معزولة إلى حد أنها تحتاج الى إخراج مسرحي يتمثل بإظهار دليل مادي على وجود عملية استرداد أموال ما سمي بفضيحة القرن. إزاء ذلك يبدو أن العدالة الممثلة بالمحاكم غير كافية للإقناع، وملفات الفساد والسرقة هي من الكثرة بحيث لا تغطيها عدد الإحالات الى المحاكم بل تغطيها قضايا فساد أخرى. والفساد نفسه يتخذ رتبة سياسية بامتياز، فهو من إفرازات النظام السياسي وجماعات الجريمة المنظمة، والاثنان متداخلان ويتساندان. الفساد في الدولة العراقية يتراكم مثل تراكم نضدات الدنانير بالأكوام ، وهو من القوة بحيث تتكيف له القوانين لا أن تواجهه بموادها الصارمة. إنه قوي على نحو يدخل في مسامات المجموعات الحاكمة منذ 2003 ، بما فيها المجموعة الحاكمة التي جاءت من خلال برلمان اتهم بأنه مزوّر، ثم جرى تصحيحه بأحداث غرائبية ملوثة بالدم والحماقات، وها هو يعمل كما لو أنه ولد ولادة طبيعية!

دعونا الآن نشير إلى المعلومات: فكمية النقود التي ظهرت ليست كامل السرقة المستعادة  (يقال إن الأموال المنهوبة تقدر بمليارين و700 الف دولار أميركي، وقيل إنها خمسة مليارات، ووزير المالية السابق المستقيل تحدث عن 12 مليار) في غياب رقم حاسم فإن النقود الظاهرة تبدو قد أخرجت من البنك، ولا أخاطر إن قلت إنها نُقلت الى مسرح أعدّ في قصر رئاسي بطريقة ريفية. بيد أن هناك مبلغاً أو مبالغ باقية لم تتسلمها السلطات بعد، قد تتسلمها ولا تتسلمها، ففي الطريق صفقة بين المتهم والسلطة يطلق بموجبها سراح السارق بكفالة حصته في معمل هو شريك فيه مع مالكين نافذين – هكذا فهمنا.. وما فهمناه سرعان ما غطته معلومات اخرى وأحداث أثارت الضحك الأسود!  

ها نحن ننتقل إلى الحالة الدارجة في العراق – حالة دولة اللاقانون. اللصوص أقوياء على نحو يخرجون من قبضة العدالة بالصفقات. اللصوص يتقوون بالسياسيين، والسياسيون يتقوون باللصوص، والصفقات هي الصفقات إن كانت في السياسة وإن كانت بالأموال. هل تعدّ الصفقة حلاً واقعياً لاسترداد أموال الدولة؟ هذا ما تفعله دول قوية في ظروف معينة. أما في دولة تشكو من ضعف القانون أصلاً فهو يعني تكريس الضعف، وإيقاف التحقيق عند استرداد هذا الكدس من الأموال، وعدم توسعه لينوش فاعلين سياسيين جعلوا من هذه السرقة ممكنة. في بلد يشكو من ضعف القانون وضعف إنفاذه، لا تبدو براغماتية استرداد الأموال بالتراضي سوى تدوير سياسي - قضائي لواقع غير مسيطر عليه. أشير هنا إلى أن مفهوم الصفقة يستدعي تفاهمات، والأخيرة كانت قد ترسّخت في العراق كتقاليد سياسية، فهي مداخل لما يسمى "حكومات التوافق الوطني" التي تبدأ بتفاهمات مدعومة بحصص. وهكذا فإن هذه الحقائق المتشابكة تردّنا الى الواقع السياسي وليس إلى مجرد إجراءات وتعريفات تبرر سلوك الصفقات. إن لصاً ذكياً ينهب المليارات يحصل في النهاية على صفقة، ثم على حرية التمتع بالباقي مع جسارة احتقار القانون والتحايل عليه!

واقع الحال لا وجود للص ذكي في العراق، بل يوجد نظام تسهيلات لفريق كامل تحرسه امتيازات السلطة والجماعات المسلحة وانعدام الرقابة مع انعدام الشرف، وهذا ما يجعل السرقة لا تحتاج الى جسارة فهي منظمة تنظيماً متشابكاً مع المصالح السياسية والإدارات الفاسدة.  

إذا سلّمنا بمجموع الصورة والخطاب اللغوي الذي يفسّرها أو هي من تفسّره، يبقى هناك سؤال عن اللصوص (هل أخطأت في هذه التسمية - الحكم.. لأنه كيف يمكن تسميتهم باللصوص إذا لم تقرر محكمة أنهم كذلك في محاكمة عادلة وليس في تحقيق ينتهي بصفقة؟!). حسب الروايات هم ستة، أربعة منهم فروا، ولابد أنهم فروا بأموال، وواحد فقط ألقي القبض عليه، والآخر يقال إن السلطات ستتسلمه. ها نحن إزاء رواية لها تفاصيل مختفية. هناك الكثير لا يظهر في صورة أريد لها أن تكون دليلاً وشاهداً!

الاثنان، الصورة والخطاب - والأولى التي تثير خللا بالخطاب - يخفيان ثلثي الحقيقة مثل جبل الجليد الظاهر ثلثه. إن جبل الجليد هو النظام السياسي الذي حوّل السياسة إلى مشروع تجاري!

ما الذي جعل هذه القضية تحظى بكل هذا الاهتمام، بحيث يقوم رئيس الوزراء بتجميع عناصرها المباشرة والخروج بها إلى العلن كأنها علامة على أن عملية استهداف اللصوص بدأت على يديه منذ الآن!

هل لأنها سرقة ضخمة؟ لقد أحرقت مشاريع الكهرباء الكاذبة 700 مليار دولار ولم تحرك ساكناً لأن لصوصها من المتحاصصين التأسيسيين للنظام السياسي. وهناك عشرات الملفات تغفو بالأدراج السياسية السرية. والحال إن أكبر مصدر لسرقة الأموال وتهريبها هو بورصة العملة وبيع الدولار، والنظام المصرفي المهلهل الذي ما زال يعمل بلا رقابة، ولاسيما المصارف الإسلامية المملوكة من خليط من جماعات سياسية وأولغارشية عميلة للاجنبي. وماذا عن سرقة النفط، وسرقات المنافذ الحدودية التي تدار من قبل جماعات سياسية ومليشيات؟ إن ما يجعل السرقات ممكنة، وحاذقة، هي الأغطية السياسية.   

أنا لا أشكك هنا بنوايا رئيس الوزراء، بل ألفت انتباهه إلى أنه استدرج إلى وضعية لا تليق بمركزه، وتضيّع عليه وعلى المواطنين ما هو مهم وأهم. ويبدو أن هذه القضية التي جرى تداولها كثيرا في الإعلام شكلت ضغطاً عليه وهو حديث العهد في منصبه.

بعد نشر هذه الصورة مارس إعلام خدمي الرقص على وقع دفوف تحولات شكلية بدلاً من أن يرفع لافتات سود على مصائب شعبنا التي لم تعد لها نهاية. الأكاذيب تحيطنا، فمن يدري لعلّ لقاء الصورة والرواية حاصل جمع ما بين الحقيقة والسلعة السياسة لتسويد وجوه وتبييض أخرى. إن البيئة السياسية العراقية توفر أفعال سوء النية، وسوء الأفعال بالجملة. نعم .. من يدري فنحن لا نشق الصدور، لكن نظاماً سياسياً مكشوفا الى حد لا يخشى الفضائح، ويجدّد كل عام مشكلاته السياسية التي لا تحل، ويجدد مآزقه كل أربع سنوات، هو أكبر منتج للصور الساذجة والتلفيقات الشعبوية والخطابات المليئة بالمغالطات والتمحلات. إنه مختنق حتى الرأس بقضايا الفساد التي لا تنتهي، ويقود دولة يركبها السياسيون وأياديهم في خراجها النفطي، لا تنتج شيئاً غير زيادة الديون وعدد الأيتام والأرامل ونسب الطلاق والمهجرين والمهاجرين والمختطفين والمغدورين والسجناء.

في النهاية تردّنا حكاية (سرقة القرن) التي انتهت بصفقة إلى هذه الصورة، حيث تتغطى قضايا الفساد الجادة بالمشاهد الهزلية، وتلمّح بتناظرها المصنوع بسذاجة إلى فوضى التنسيق الأميركي - الإيراني وجماعة المنفذين العراقيين من محبي الاستعراضات والشعارات والإعلام الجاهل والذوق الفاسد!

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!