تدخل سافر
ويقول الخبير بالشؤون الاستراتيجية فاضل أبو رغيف، إن “تصريح وزير الخارجية التركي يعد تدخلاً سافراً في الشأن العراقي، وقد فاجأ الجميع. والعراق ليس لقمة سائغة كما يتصور الجانب التركي”.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، يوم أمس الثلاثاء (10 شباط 2026) في حوار متلفز مع قناة “سي إن إن التركية ”، إن التطورات الأخيرة في الملف السوري ستترك آثاراً مباشرة على مقاربة هذا الملف إقليمياً، خصوصاً أن تنظيم “بي كي كي” يحتل مساحات واسعة داخل العراق، متوقعاً حدوث في مناطق سنجار ومخمور وقنديل.
ويوضح أبو رغيف، أن “المخاطر الأمنية المباشرة غير قائمة، باعتبار أن العراق يخضع لمنظومة أمنية دولية، وأنقرة لن تتمكن من تحريك أي تهديد فعلي في ظل هذه المنظومة”.
ويعتبر، أن “هذه التصريحات قد تثير حالة إزعاج وقلق للمشهد الأمني الداخلي، وربما تحفز بعض الجماعات الإرهابية مثل داعش والقاعدة، لكنها لا تشكل خطراً مباشراً على الأمن القومي العراقي”، مبيناً أن “ملف سنجار لا يعد ملفاً محلياً عراقياً فحسب، بل تحيط به أجندات إقليمية ودولية، مع احتمالية تدخل أطراف عدة من بينها تركيا وإيران والإقليم، فضلاً عن الداخل العراقي”.
وفي تصريحاته المتلفزة، ركز هاكان فيدان على البعد العراقي للملف الكردي، معتبراً أن وجود تنظيم “بي كي كي” في مناطق سنجار ومخمور وقنديل يمثل إشكالية مباشرة تتعلق بسيادة الدولة العراقية، لافتاً إلى أن هذه المناطق تشهد حضوراً مسلحاً واسعاً، ونتوقع حدوث تغييرات قريبة فيها. وشدد على أن الحكومة العراقية تمتلك القدرة على التعامل مع هذا الملف إذا ما توفرت الإرادة السياسية، كما لفت إلى أن أنقرة ستتعامل مع أي حكومة عراقية منتخبة، وأن معالجة هذا الملف تعد، من وجهة نظر تركيا، جزءاً من استقرار العراق وأمنه الداخلي.
ويشير أبو رغيف إلى أن “تنوع القوى المسلحة في سنجار يزيد من تعقيد المشهد، ووجود حزب العمال الكردستاني يمثل عاملاً في توازن الردع وإحداث حالة من الاستقرار النسبي يمكن توظيفه ضمن معادلات تفاوضية مع الجانب التركي”، داعياً العراق إلى “عدم التفريط بأي قوة تساهم في تحقيق توازن المعادلة مع الدول الإقليمية، ومع ذلك فالأطماع التوسعية التركية لن تجد لها أرضية مناسبة في العراق”.
استدعاء السفير التركي
بدوره، يقول المحلل السياسي ياسين عزيز، إن “تصريحات وزير الخارجية التركي، تعد تدخلاً خطيراً في الشؤون الداخلية العراقية،” معتقداً أن “هذا الملف يخص بالدرجة الأساس الحكومة الاتحادية، ولا سيما وزارة الخارجية، التي يفترض أن تصدر بياناً رسمياً واضحاً، وأن تستدعي السفير التركي في بغداد”.
ويرى عزيز، أن “تصريحات وزير الخارجية التركي، وإن كانت تشكل خرقاً للأعراف الدبلوماسية، إلا أنها يجب أن تواجه بمواقف رسمية عبر القنوات الدبلوماسية، لا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي”، لافتاً إلى أن “في العراق أطرافاً معروفة بمواقفها المعلنة والواضحة تجاه الدولة التركية، سواء صدرت مثل هذه التصريحات أم لم تصدر”.
ويقر المحلل السياسي، بأن “ملف سنجار يعد ملفاً معقداً وشائكاً، إذ تنظر إليه تركيا بوصفه جزءاً من أمنها القومي، نظراً لموقعه الاستراتيجي وقربه من الحدود التركية”، مشيراً إلى أن “عدم تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم عام 2020، نتيجة تأثير بعض القوى السياسية المتنفذة في بغداد، أسهم في عدم تبديد المخاوف التركية المتعلقة بوجود حزب العمال الكردستاني في سنجار، بغطاء أمني وعسكري من جماعات تُعد مؤسسات رسمية”.
ويضيف، أن ”الحكومة الاتحادية تبذل جهداً جيداً لوضع آلية مستقرة لتنظيم العلاقات مع الجانب التركي، رغم وجود أطراف لا يروق لها ذلك”، مؤكداً أن ”المصالح المشتركة بين البلدين تفرض إيجاد هذه الآلية وترسيخها، لا سيما أن لإقليم كردستان حدوداً مهمة مع تركيا، ما يستدعي تنسيقاً مستمراً بين الإقليم والحكومة الاتحادية، والتعامل بدقة عالية مع هذا الملف الحساس”.
“تصرفوا بحكمة واتزان”
وعلى خلفية الجدل المتصاعد بشأن تصريحات وزير الخارجية التركي الأخيرة، والتي أثارت ردود فعل سياسية داخل العراق، قال النائب عن كتلة الصادقون عادل الركابي، في تدوينة نشرها على حسابه في منصة “إكس”، إن “وزارة الخارجية معنيّة بالرد فورًا على تصريح وزير الخارجية التركي بشأن العراق، والذي يُعدّ تدخّلًا سافرًا في الشأن العراقي، إذ يخاطب العراق وكأنه دولة تابعة تتلقى الإملاءات من السلطان”، مضيفاً “ما هكذا تُدار العلاقات بين دولتين تربطهما الكثير من الروابط والمصالح المشتركة. نقول: تصرّفوا بحكمةٍ واتزان، واتركوا نهج التوسّع والاستعلاء”.
“ذهنية استعلاء متكررة“
من جهته، انتقد النائب حبيب الحلاوي، لهجة التهديد والوعيد تجاه العراق، معتبرا أنها تعكس ذهنية استعلاء متكررة لم تستفد من دروس التاريخ ولا من حقائق الجغرافيا، ولا تنسجم مع مبادئ العلاقات بين الدول ذات السيادة.
وأكد الحلاوي، في تصريح صحفي، أن مثل هذه التصريحات لا تخدم الاستقرار الإقليمي، بل تسهم في تعقيد المشهد السياسي والأمني، مشدداً على ضرورة اعتماد خطاب متوازن يحترم سيادة العراق ومكانته، بعيداً عن أساليب الضغط والتهديد.
“المشكلة في الداخل”
وفي السياق ذاته، نشر الكاتب والإعلامي فلاح المشعل على حسابه في منصة “إكس” في سياق السجال السياسي المتصاعد حول تصريحات وزير الخارجية التركي، التي عدها المشعل خطاباً متعالياً يتعارض مع أسس العمل الدبلوماسي ومنطق العلاقات بين دولتين جارتين، منبهاً إلى أن الإشكال لا يرتبط بالخارج فقط، بل يمتد إلى الداخل العراقي وما يعانيه من انشغال المكونات بصراعاتها، بما يترك البلاد مكشوفة أمام التدخلات.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!