RSS
2026-01-06 22:17:05

ابحث في الموقع

برامج محو الأمية في العراق: معالجات جزئية بلا استراتيجية فاعلة

برامج محو الأمية في العراق: معالجات جزئية بلا استراتيجية فاعلة
أثار مختصون في الشأن التعليمي في العراق ملف محو الأمية، خصوصاً في ظل استمرار الظاهرة رغم انتشار مئات المراكز المخصصة لها في مختلف المحافظات، وفق ما تكشف عنه الأرقام الرسمية، ما أعاد الى الواجهة جدلاً واسعاً حول جدوى هذه الجهود في ظل غياب رؤية وطنية واضحة واستراتيجية شاملة للقضاء على الأمية.

وانتقد تربويون تفشّي الأمية خلال العقد الأخير، نتيجة عوامل متراكمة، أبرزها موجات النزوح الواسعة، واستشراء الفساد الإداري والمالي، فضلاً عن تراجع الاهتمام بالقطاع التعليمي وإهمال الجانب العلمي من قبل الحكومات المتعاقبة على إدارة البلاد منذ عام 2003، الأمر الذي حول برامج محو الأمية إلى معالجات جزئية لا ترقى إلى مستوى التحدي القائم.

ووفق أرقام الجهاز التنفيذي لمحو الأمية في العراق، يوجد 830 مركزاً لمحو الأمية منتشرة في عموم المحافظات، يدرس فيها أكثر من 41 ألف شخص، معتبراً أن ذلك يمثل جهداً كبيراً وخطوات جيدة في الملف.

وتشير البيانات الرسمية الى أن نسبة الأمية في العراق تبلغ 15.3%، وهي نسبة مرتفعة قياساً بدولة صُنف نظامها التعليمي، بحسب منظمة اليونسكو، ضمن الأفضل عالمياً خلال سبعينيات القرن الماضي. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا الإرث التعليمي لم يترجم حتى الآن إلى خطة وطنية شاملة تستهدف إنهاء الأمية ضمن أفق زمني واضح، رغم مرور أكثر من عقد على تشريع قانون محو الأمية رقم 23 لسنة 2011.

ويرى مختصون في الشأن التربوي أن الإعلانات الحكومية المتكررة، عن عدد مراكز محو الأمية أو أعداد الدارسين فيها، من دون ربطها بمؤشرات أداء واضحة أو جدول زمني معلن، لا يرقى إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي. ويقول الخبير التربوي الأستاذ معاذ الجبوري إن "محو الأمية لا يقاس بعدد الصفوف المفتوحة أو المراكز المنتشرة، بل بوجود رؤية وطنية تحدد متى وكيف وبأي أدوات سيتم تقليص النسبة وصولاً إلى الصفر أو إلى حدها الأدنى".

ويضيف الجبوري، أن "العراق يعاني من فجوة واضحة بين التشريع والتنفيذ، فقانون محو الأمية مشرع، لكن لا تواكبه حتى الآن استراتيجية وطنية متكاملة تتضمن مراحل زمنية، وموازنات مستقرة، وآليات متابعة وتقييم مستقلة لإنهاء الملف".

من جهتها، تؤكد الباحثة في سياسات التعليم، سهى عبد اللطيف، أن "مشكلة الأمية في العراق لم تعد مقتصرة على القراءة والكتابة، بل أصبحت مرتبطة بالتسرب المدرسي، والفقر، والنزوح، والعمل المبكر، وهي عوامل تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز عمل الجهاز التنفيذي وحده"، مؤكدة، أن "غياب التنسيق بين وزارات التربية، والعمل، والتخطيط، والشؤون الاجتماعية، يجعل من جهود محو الأمية معزولة ومحدودة الأثر".

ورغم تأكيد وزارة التربية عزمها تعديل قانون محو الأمية ووضع خطة استراتيجية جديدة، إلا أن مراقبين يرون أن هذه الوعود تتكرر منذ سنوات من دون نتائج ملموسة. ويشير الأستاذ الجامعي والمتخصص في علم الاجتماع التربوي، فهد الخالدي، أن "الخطورة لا تكمن في ارتفاع نسبة الأمية فقط، بل في غياب موعد وطني معلن لإنهائها، كما تفعل الدول التي تتعامل مع الظاهرة بوصفها تهديداً تنموياً وأمنياً"، مضيفا، أن "الدول الناجحة في محو الأمية تربط برامجها بأهداف زمنية دقيقة، مثل خمس أو عشر سنوات، وتعلن تقارير دورية شفافة عن نسب الإنجاز، بينما لا يزال العراق يتحدث بلغة عامة عن خفض النسب من دون تحديد كيف ومتى".

كما يلفت تربويون إلى أن انتشار مراكز محو الأمية لا يعني بالضرورة فعاليتها، في ظل شكاوى تتعلق بضعف الحوافز المقدمة للدارسين، وقلة الدعم المادي للكوادر التعليمية، وعدم تحديث المناهج بما يتناسب مع احتياجات الكبار وسوق العمل، يؤكد المدرس المختص ببرامج تعليم الكبار، جبار العبودي، أن "الكثير من الدارسين في مراكز محو الأمية ينقطعون عن الدراسة بسبب الفقر أو العمل، لأن البرامج لا توفر لهم أي ضمانات تشجيعية حقيقية".

وأكد أن "غياب استراتيجية واضحة لمحو الأمية ينعكس سلباً على مشاريع التنمية المستدامة، ويضعف فرص العراق في تحسين مؤشراته الدولية في التعليم والتنمية البشرية، فالأمية لا تمثل خللاً تعليمياً فحسب، بل تسهم في تكريس الفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية".

وفي ظل هذه المعطيات، تتصاعد الدعوات إلى تنفيذ استراتيجية وطنية شاملة لمحو الأمية، تتضمن سقفاً زمنياً محدداً، ومؤشرات قياس دقيقة، وشراكات مع منظمات دولية مثل اليونسكو، فضلا عن ربط برامج محو الأمية بفرص العمل والتدريب المهني لضمان استدامة نتائجها.





المصدر: العربي الجديد
كلمات مفتاحية
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!