{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}.
وهذا هوَ أَحقرُ ذريعةٍ يتذرَّعُ بها المُغفَّلُ للتهرُّبِ من المسؤُوليَّةِ! فهوَ يتحجَّجُ بالصَّنميَّةِ التي منعتهُ من الإِستماعِ إِلى نصيحةٍ أَو الأَخذِ بالتَّحذيرِ! وبالتَّالي قادتهُ إِلى الهاوِيةِ.
إِنَّها حجَّةٌ باطِلةٌ بل أَنَّها إِدانةٌ للذَّاتِ يستحِقُّ صاحبُها العِقابَ.
والصَّنميَّةُ تُنتِجُ أَخطرَ حالتَينِ إِذا استرسلَ معَها المُغفَّلُ؛
الأُولى؛ خَرابُ بيتهِ!.
الثَّانيةُ؛ الحِيرةُ وهيَ أَن يتساوى عندهُ الصَّبرُ مع الجزعِ!.
يقولُ تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} وقولهُ تعالى {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}.
وقتها لا تلومنَّ إِلَّا نفسكَ أَمَّا النَّاصح والذي حذَّركَ فلا علاقةَ لهُ بالأَمرِ فهوَ كانَ قد أَدَّى ما عليهِ إِزاءكَ شرعاً وعُرفاً وأَخلاقاً {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} وكذلكَ وفاءً منهُ لكَ.
هذا إِذا كانَ الأَمرُ يخصُّكَ شخصيّاً، أَمَّا إِذا كانَ الأَمرُ يخصُّ الجماعةَ [الأُمَّة أَو المُجتمع] فإِنَّ الأَمرَ يختلِفُ كثيراً جدّاً وجذريّاً لأَنَّ المُتضرِّرَ في هذهِ الحالةِ المُجتمعُ وليسَ فردٌ أَو فردَينِ، وهو ما تُشيرُ إِليهِ الآيةَ الكريمةَ {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} وكنموذجٍ تاريخيٍّ واضحٌ جدّاً أَرَّخهُ المُشرِّع هي قصَّةَ النَّاقةَ التي يحدِّثنا عنها القرآن الكريم بقولهِ {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا}.
فالذي ذبحَ النَّاقةَ واحِدٌ إِلَّا أَنَّ الذي تضرَّرَ فدفعَ الثَّمنُ هو المُجتمع!.
السُّؤَال هنُا؛ وماذا بعدَ كُلِّ هذا؟! هل يمكنُ إِصلاحُ الأَمرِ والتَّراجُعِ؟!.
نعم بثلاثةِ شروطٍ كما يشرحَها قولُ الله عزَّ وجلَّ في مُحكمِ كتابهِ الكريم، وهي الشُّروط التي تسري على مَن يفكِّر بالتوقُّفِ عن الإِسترسالِ في خَطئةِ وإِصلاحِ الأُمورِ.
يقولُ تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَء* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.
١/ التَّوبةُ والتوقُّفُ عن الكُتمانِ والتَّزويرِ وعدمِ الإِسترسالِ مع الخطأ.
فالمتورِّطونَ مع الذُّباب الأَليكتروني في نشرِ الأَكاذيبِ والتَّزييفِ والدَّجلِ بكُلِّ أَشكالهِ سواءً كانَ خبرٌ أَو مقطعٌ أَو صورةٌ أَو منشورٌ أَصفر أَو سبٌّ وتُهمةٌ ودعايةٌ سوداءَ مُغرضةٌ ضدَّ شخصٍ أَو جماعةٍ، إِنَّ عليهِم أَن يتوقَّفُوا فَوراً عن كُلِّ ذلكَ إِذا قرَّرُوا إِصلاحَ موقفهِم، إِذ لا يُعقلُ وليسَ من المنطقِ أَن يستمرُّوا في نشرِ الأَباطيلِ وهُم يُحاولونَ إِصلاحَ الأَمرِ، أَبداً.
٢/ الإِصلاحُ، فكُلُّ ما نشروهُ من أَباطيل ثمَّ تبيَّنَ لهُم بُطلانَها وكذبَها ودجلَها، عليهِم أَن يُخبرُوا مَن استلمَ منهُم شيئاً مِنها ببطلانِها والإِعترافِ بخطئهمِ [جريمتهِم].
وإِذا كانَ بإِمكانهِم حذفَ المنشُورات المُخادِعة والمقاطِع المُضلِّلة التي ساهمُوا في التَّرويجِ لها، فليفعَلُوا فَوراً على الأَقلِّ من بابِ إِخلاءِ المسؤُوليَّةِ الشرعيَّةِ والأَخلاقيَّةِ.
٣/ التَّبيينُ فعليهِم إِيضاحُ الحقيقةِ والكشفِ عنها والتَّرويجِ لها بعدَ أَن شاركُوا في طمسِها والتَّرويجِ للباطلِ الذي اكتشفُوهُ الآن وصمَّمُوا على تنظيفهِ في سلوكيَّاتهِم وعدمِ التورُّطِ في التَّرويجِ لهُ مرَّةً أُخرى بعدَ الآن.
هذهِ الخطُوات رُبَّما تكونُ صعبةً ومُعقَّدةً فالكثيرُ من المُتورِّطينَ في نشرِ الأَكاذيبِ تأخُذهُم العزَّةُ بالإِثمِ فلا يُبادرُونَ لتصحيحِ الخطأ حتَّى إِذا اكتشفُوهُ، وقاعدتهُم التَّاريخيَّة المُفضَّلة [النَّارُ ولا العارُ] فالإِعترافُ بالخطأ عندهُم عارٌ وأَنَّ أَكثرَ ما يفعلُونهُ هو كما يصفهُم القُرآن الكريم {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ}.
أَمَّا أَن تنتظرَ منهُم فعلَ شيءٍ من هذهِ الخطُوات، فلا يُقدِم عليها إِلِّا التَّائب الحقيقي النَّادمِ على ما فعلَ الذي يريدُ إِنقاذَ نفسهِ من عذابِ الضَّميرِ في الدُّنيا ومِن عذابِ اليومِ الآخرِ.
وبرأيي فإِنَّ الله تعالى عقَّدَ علينا التَّوبةَ حتَّى لا نفعَل الذَّنب في الأَساسِ، فكَما هو معرُوفٌ فإِنَّ شرُوط التَّوبة كُلَّما كانت بسيطةً كُلَّما استسهَلَها المرءُ فتجرَّأ على تكرارِ الفعلِ الخطأ، وهذهِ هي طبيعةُ الأَشياءِ وطبيعةُ النَّفسِ البشريَّة.
وكمثالٍ على ذلكَ أَنَّكَ ترى النَّاسَ يتجاوزُونَ بسهولةٍ علاماتِ المرورِ إِذا كانتِ العُقُوبةُ [الغَرامات] بسيطةً إِلَّا أَنَّهم يتحاشَونَ تكرارَ ذلكَ وينتبهُونَ أَكثر لإِشاراتِ المرورِ للإِلتزامِ بها والحذرِ مِن تجاوزِها إِذا كانتِ العُقُوبةُ شديدةً.
ولأَنَّ التَّزويرَ والخِداعَ والغُشَّ كُلُّها أَفعالٌ خطيرةٌ جدّاً في المُجتمعِ ولذلكَ ترى المُشرِّع عقَّدَ عمليَّة إِصلاحَ آثارِها بشكلٍ لا تدعُ مَن لهُ قلبٌ سليمٌ أَن يتورَّطَ بها أَساساً فضلاً عن الإِستمرارِ والإِسترسالِ معَها.
فلقد قَالَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) لِقَائِلٍ قَالَ بِحَضْرَتِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّه {ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَتَدْرِي مَا الِاسْتِغْفَارُ؟! الِاسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ وهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ؛ أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى والثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْه أَبَداً والثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللَّه أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ والرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا والْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَه بِالأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظْمِ ويَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ والسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَه حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّه}.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!