RSS
2026-03-14 20:26:14

ابحث في الموقع

الكذب في مدرسة السياسة

الكذب في مدرسة السياسة
بقلم: فرست عبدالرحمن مصطفى

تخيلوا أن العالم أصبح مدرسة والسلطات أساتذتها والشعوب طلابها. مدرسة لا تُدرّس الصدق، لا… ولا تُسأل عن المشاعر بل كل ما يُهم هو القدرة على الإقناع. هنا تُصقل الابتسامات وتُنسج النبرات المطمئنة وتُقال الكلمات التي تبدو أصدق من الحقيقة نفسها.

في هذه الصفوف الكذب ليس مجرد حيلة عابرة بل لغة تُتقن، يتعلم الطالب نطقها بلا تلعثم حتى ينسى كيف يكون صادقاً. يتقن النظر في العيون بلا رمش ويحكي الحكايات وكأنه عاشها ويزرع الشك في قلوب الآخرين حتى حين يعلم أن الأرض صلبة تحت قدميه.

المثير للدهشة هو أن هذه المدرسة ناجحة إلى حد كبير. الخريجون يخرجون بوجوه هادئة وقلوب مزدوجة، يتحدثون بطلاقة عن أحداث لم تقع ويجعلون العالم يصدقهم. الكذبة هنا لم تعد خطأً بل أداة، أداة تمنح شعوراً بالطمأنينة أكثر من الحقيقة وتتيح للسلطات إعادة تشكيل الواقع وفق ما تريد.

التحقيق في هذه المدرسة يظهر تفاصيل أكثر غرابة. من يراقب السياسيين والخبراء الذين تخرّجوا من هذه الصفوف يجدهم يستخدمون نفس الأساليب، سرد قصص لم يعيشوها وتزييف وقائع ونشر شك مدروس في عقول الجمهور. وهكذا يصبح الإقناع فناً أعلى من الحقيقة نفسها.

لكن الخطر الأكبر يكمن في نحن الطلاب. الشعوب تتعلم تدريجياً أن تصدق ما يُقال حتى لو كان الوهم أكبر من الواقع. مع مرور الوقت اصبحنا جميعاً جزءاً من هذا المنهج دون أن نلاحظوا أننا فقدنا تدريجياً القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.

دروس هذه المدرسة صار واضحاً، القدرة على الإقناع قد تكون أهم من الحقيقة نفسها. والكذبة المتقنة حين تُدرس وتُمارس قد تصبح أداة أكثر قوة من الحقيقة. والواجب علينا نحن الشعوب قبل أن نصبح طلابا دائمين أن نتعلم فن مقاومة الوهم وأن نبحث عن الحقيقة وسط ضباب الكلمات المصقولة والنبرات المطمئنة. وهذا مستحيل.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!