RSS
2026-02-24 12:25:23

ابحث في الموقع

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (6)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (6)
بقلم: نزار حيدر

{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}.

  فيما يتكبَّرُ البَعض على النَّصيحةِ ويتجبَّر على التَّحذير حتَّى يتورَّطَ ورُبَّما يُورِّطُ غَيرهُ، فإِنَّ المُتواضع الحَريص يتعامَل مع النَّصيحة كتلميذٍ مُؤَدَّبٍ ينتظرُ المزيدَ لتقويمِ مسيرتهِ التي يسعى بها للوصُولِ إِلى الهدفِ الأَسمى سواءً على مُستوى الفرد أَو مُستوى الجماعة.

  ولذلكَ كانَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) يحثُّ الرعيَّة على تقديمِ النُّصحِ من دونِ خوفٍ أَو تردُّدٍ أَو خشيةٍ كتِلكَ التي يصنعَها جلاوِزة الحاكِم حَولهُ لبناءٍ سدٍّ بينهُ وبينَ النَّاس.

  يقولُ (ع) {فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِه الْجَبَابِرَةُ ولَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِه عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ ولَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ ولَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي ولَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي فَإِنَّه مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَه أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْه كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْه فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ}.

  فهوَ (ع) يُحاربُ ظاهرةَ [التَّبويق] للحاكِم ويُقاتِل من أَجلِ أَن لا يمنعَ أَحدٌ أَحداً من الرعيَّةِ في تقديمِ نصيحةٍ [مشوَرةٍ] أَو القَولَ بالحقِّ.

  حتَّى لقد قالَ مُعاوية بن أَبي سُفيان عن أَهلِ العراق [لقَد لمَّظكُم إِبنَ أَبي طالب الجُرأَةَ على السُّلطان فبطيئاً ما تُفطَمونَ (أَي يصعَبُ فِطامكُم عن هذهِ الجُرأَةَ)].

  وهو تعليقٌ أَطلقهُ الموما إِليهِ في سياقِ شجاعةِ أَهلَ العِراق وجُرأَتهِم على انتقادِ الحُكَّام، ويُشيرُ بوضُوحٍ إِلى تأَثُّرهِم بتربيةِ أَميرِ المُؤمنينَ (ع) وثقافتهِ الشُّجاعة. 

  قَد يستشكِلُ أَحدٌ فيقُولُ؛ ومَن قالَ أَنَّ كُلَّ مَن قدَّمَ مَشورةً أَو حذَّرَ من أَمرٍ كانَ على حقٍّ؟!.

  أ/ لا أَحدَ قالَ ذلكَ أَبداً.

  ب/ المُهمُّ هُنا هو أَن نزرعَ الجُرأَةَ في قلوبِ النَّاسِ على [الكلامِ] في [حضرةِ الزَّعيمِ] فلا يمنعهُم أَحدٌ بسببِ ثيابهِم الرثَّة أَو مظهرهِم البسيط أَو حالةِ الفقرِ، فليتكلَّمُ الجميعُ بِلا خَوفٍ كما يصِفُ ذلكَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ} في أَجواءٍ آمنةٍ بعيداً عن أَعيُنِ الحَرَسِ والحِماياتِ المُدجَّجةِ بالسِّلاحِ {وتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وشُرَطِكَ}.

  ج/ إِنَّ مسؤُوليَّةَ المُواطِن هي أَن يُقدِّمَ النُّصحَ والتَّحذيرَ أَمَّا مسؤُوليَّة المسؤُول والحاكِم فهي أَن يدرُسها ويُغربِلها ويُفرِزُ الغِثَّ عن السَّمينِ منها فيأخُذَ بالثَّاني ويطرَح الأَوَّل.

  وبذلكَ سنُهيِّئ الأَجواءَ الصحيَّةَ في المُجتمعِ لإِشاعةِ ثقافةِ النُّصحِ والتَّحذيرِ. 

  فلقد كتبَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) يوصي الأَشترَ النَّخَعي لمَّا ولَّاهُ مِصرَ يحثَّهُ على تهيئةِ الظُّرُوف المُناسِبة لتشجيعِ الرَّعيَّةِ على الإِستمرارِ في تقديمِ النَّصيحةِ للحاكمِ دونَ انقطاعٍ {ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ والأَحْسَابِ وأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ والسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ والشَّجَاعَةِ والسَّخَاءِ والسَّمَاحَةِ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا ولَا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِه ولَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِه وإِنْ قَلَّ فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ وحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ ولَا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالًا عَلَى جَسِيمِهَا فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِه ولِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْه}.

  وفي النصِّ مُعادلَةٌ دقيقةٌ ورائِعةٌ ترسِمُ طبيعةَ العِلاقة الطَّرديَّة بينَ النَّصيحةَ وحُسن الظَّن خاصَّة في العِلاقةِ بينَ السَّلطة والرعيَّة وتحديداً أَهل الحلِّ والعقدِ أَو ما يُسمُّونهُم اليَوم بالنُّخبةِ.

  فإِذا شعرَت النُّخبةَ أَنَّ المسؤُول في الدَّولة يتعامَل معَ النَّصيحةَ بكُلِّ شفَّافيَّةٍ وبسِعةِ صدرٍ ولا يُواجه تحذيراتهُم بالسَّوطِ والمُطاردةِ والإِعتقالِ، فإِنَّ ذلكَ سيكُونُ سبباً لهُم لحُسنِ الظنِّ بالحاكمِ فيُزيدونَهُ نُصحاً وتحذيراً من المخاطرِ والمُؤامراتِ التي قد تُهدِّد النِّظام السِّياسي كُلَّما احتاجت الدَّولة إِلى ذلكَ، والعكسُ هوَ الصَّحيح، فإِذا رأَت من المسؤُولِ ردودَ فعلٍ عنيفةٍ ضدَّهُم كُلَّما قدَّمت لهُ نصيحةً أَو تحذيراً فإِنَّ حالة حُسنَ الظنِّ قد تنهار وتستبدِلُها النُّخبةَ بسوءِ الظنِّ.

  ولذلكَ يوصيهِ (ع) في عهدهِ المذكُور قائِلاً {وإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ واعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ ورِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ وإِعْذَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ}.

  فالإِمامُ هُنا حريصٌ جدّاً على حمايةِ حُسنِ الظَّنِّ بين الرَّاعي والرَّعيَّة، لأَنَّ كُلَّ المشاكلِ التي تتطوَّر إِلى ثَوراتٍ وانتفاضاتٍ تبدأُ من سوءِ الظنِّ بينَهُما!.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!