RSS
2026-02-15 17:56:33

ابحث في الموقع

شعارات "السيادة" تتحطم على أعتاب "الفيدرالي".. لماذا لم يستعد العراق قراره المالي؟

شعارات "السيادة" تتحطم على أعتاب "الفيدرالي".. لماذا لم يستعد العراق قراره المالي؟
على مدى أكثر من عقدين، ظلّ ملف عائدات النفط العراقية في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي موضوعاً شائكاً، يتم استدعاؤه كلما احتدمت النقاشات حول السيادة والاستقلال المالي، دون أن يشهد تحركاً رسمياً أو اهتماماً سياسياً يفضي إلى تحرير العراق منه.

ويقول الباحث والمحلل السياسي رمضان البدران، إن “القوى السياسية العراقية لم تفتح نقاشاً مؤسسياً جدياً حول هذا المسار، رغم مرور أكثر من عقد على انتهاء الالتزامات الأممية، وخروج العراق رسمياً من الفصل السابع”.

وكان العراق، قد أعلن في 23 شباط 2022 (خلال حكومة مصطفى الكاظمي) خروجه من إجراءات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بعد دفع كامل التعويضات المالية للكويت عن حرب الخليج بتسعينيات القرن الماضي.

ويشير رمضان، إلى أن “الاقتصاد العراقي ما زال محكوماً بمعادلة معقدة لا يمكن تجاوزها بالشعارات، فالعراق ورث بعد الحرب العراقية - الإيرانية وما تلاها من حصار، التزامات مالية قُدّرت بنحو 120 مليار دولار، تراكمت عليها فوائد لسنوات طويلة، قبل أن تتدخل واشنطن لتساعد في شطب نحو 80 مليار دولار منها، فيما بقي قرابة 40 مليار دولار مستحقة لصالح 46 دولة”.

ويضيف أن “هذه الديون ليست مجرد أرقام، بل التزامات قانونية يمكن أن تُستَخدم كأساس لإقامة دعاوى حجز دولية إذا خرجت الأرصدة من المظلة القانونية التي يوفرها الفيدرالي، وفي ظل عجز الاقتصاد العراقي عن تسديد هذه المبالغ دفعة واحدة، فإن أي خطوة غير محسوبة قد تعرّض البلاد لمخاطر الإفلاس أو العجز”.

وبالرغم من حديث القوى السياسية المتكرر عن “مسار السيادة” واستعادة القرار الوطني الكامل، لم يُترجم هذا الخطاب إلى أي جهد مؤسسي ملموس في واحد من أكثر الملفات أهمية وتأثيراً على استقلال القرار الاقتصادي، إذ لم يسبق للبرلمان مثلاً تشكيل لجنة دائمة أو مؤقتة لمراجعة آلية إدارة عائدات النفط في الخارج، كما أن الحكومات المتعاقبة لم تطرح رؤية استراتيجية طويلة الأمد تقلّص الاعتماد التدريجي على المظلة المالية الأمريكية، أو على الأقل وضع دراسة وطنية معلنة تقوّم الآليات والطرق الممكنة لتحقيق السيادة المالية بشكل كامل.

وتعود جذور هذا الترتيب إلى عام 2003، حين أنشأت سلطة الائتلاف المؤقتة “صندوق تنمية العراق”، وجعلت مقرّه في مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في نيويورك، بهدف جمع عائدات النفط وحمايتها من الدعاوى القضائية المرتبطة بفترة النظام السابق، ومع مرور الوقت، تحوّل الصندوق إلى حساب تابع للبنك المركزي العراقي لدى الفيدرالي، وهو الوضع الذي ما زال قائماً حتى اليوم.

بدوره، يؤكد المحلل السياسي المقيم في واشنطن نزار حيدر، أن “القوى السياسية التي تولت إدارة الدولة بعد 2003 فشلت في إعادة النظر بالمنظومة القانونية والسياسية التي تأسست خلال مرحلة الاحتلال، إذ ما تزال العديد من القوانين النافذة حتى اليوم، تعود إلى فترة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، ومنها قانون المحكمة الاتحادية، وقانون البنك المركزي، وقانون هيئة الحج والعمرة، إلى جانب تشريعات أخرى مؤثرة، وكان يفترض إعادة تقييم هذه القوانين بما ينسجم مع مرحلة ما بعد الاحتلال ومع مبدأ السيادة الكاملة، لكن ذلك لم يحدث”.

ويردف حيدر، أن “ملفات مثل إدارة الدولار، وعائدات النفط، والسيطرة على الأجواء، والتعاون الاستخباري، ووجود القوات الأجنبية، كلها ترتبط بالإطار القانوني الذي لم يُراجع، ما يعني أن أصل الإشكالية سياسي قبل أن يكون مالياً، ويتمثل بعدم نجاح القوى الحاكمة في إعادة النظر باتفاقية الإطار الاستراتيجي وقرارات مرحلة الحاكم المدني”.

ومنح اعتماد العراق شبه الكامل على النفط، واشنطن نفوذاً مالياً استثنائياً، إذ تمر عائدات النفط عبر النظام المالي الأمريكي، وقد ظهر هذا النفوذ بوضوح في عام 2020، عندما لوحت الولايات المتحدة بحرمان بغداد من الوصول إلى عائداتها المودعة في نيويورك، عقب مطالبة الحكومة العراقية آنذاك بخروج القوات الأمريكية من البلاد.

من جهته، يطرح الخبير القانوني علي التميمي، مساراً متكاملاً للخروج من سيطرة الفيدرالي الأمريكي، مشيراً إلى أن “أي تحرك يجب أن يكون تدريجياً ومدروساً، ويشمل تنويع الاحتياطيات، وتقليل الاعتماد على الدولار، وتطوير نظام دفع داخلي أقوى، وتعزيز الشفافية المالية، لأن الخروج المفاجئ دون معالجة الالتزامات الدولية أو الديون القائمة قد يعرض الأصول لمخاطر قانونية”.

ويرى التميمي، أن “الملف ليس مستحيلاً من الناحية القانونية، لكنه يفتقر إلى إرادة سياسية واضحة وخطة متعددة المسارات، تبدأ من مجلس الأمن، مروراً بالتفاوض الثنائي، وانتهاء بإصلاحات مالية داخلية تعزز الاستقلال التدريجي”.

ويتابع “إذا أراد العراق توسيع سيطرته على أمواله، فعليه أن يبدأ أولاً بخطوة دبلوماسية رسمية عبر تقديم طلب إلى مجلس الأمن لمراجعة القرار 1483 أو تحديثه بما ينسجم مع وضعه الحالي كدولة ذات سيادة كاملة، وبالتوازي مع ذلك يمكن فتح مسار تفاوضي ثنائي مع الولايات المتحدة لإعادة تنظيم آلية الإدارة دون الإضرار بالحصانة القانونية”.

ورأى مختصون، أن تجاهل هذا الملف طوال السنوات أسهم في تكريس نموذج اقتصادي أحادي الجانب، يعتمد على النفط والدولار بوصفهما المصدر شبه الوحيد للحركة المالية في البلاد، ووفق هذا الرأي، فإن بقاء الآلية الحالية، بما فيها نافذة بيع العملة سابقاً، خلق شبكة مصالح واسعة داخل بنية الاقتصاد السياسي، حيث أصبحت الدولة الموزع الرئيس للدولار، وأصبح الوصول إليه جزءاً من توازنات معقدة بين المصارف الخاصة وشركات الاستيراد والقوى النافذة.

وأشاروا إلى أن أي تسوية حقيقية للديون القديمة، وإعادة هيكلة العلاقة المالية الخارجية، وتنويع مصادر الاحتياطي تدريجياً، كان يمكن أن يفتح الباب لإلغاء الحاجة إلى مزاد العملة بصيغته التقليدية، وتقليص مساحة الفارق بين السعر الرسمي والسوق الموازي، وهو ما يعني بالضرورة إعادة ترتيب شبكة المصالح التي تشكلت حول هذه الآلية خلال عقدين.

وبحسب هذا الطرح، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالمخاطر القانونية أو حساسية العلاقة مع واشنطن، بل أيضاً بغياب إرادة سياسية لتفكيك نموذج اقتصادي استقرت عليه مراكز النفوذ، حتى لو كان ذلك على حساب مشروع سيادي طويل الأمد يعيد للدولة سيطرتها الكاملة على مواردها وإدارتها النقدية.




المصدر: العالم الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!