الاقتصاد العراقي.. ضرورة العبور نحو السوق الاجتماعي المنضبط
يمرّ الاقتصاد العراقي بمرحلة انعطاف تاريخي حرج، حيث يُجمع الخبراء وصناع القرار على عدم قدرة الدولة على مجاراة الفاتورة المتضخمة للتوظيف المركزي والدعم غير المنتج. ومع هذا التوجه الاضطراري نحو التغيير، يثور تساؤل جوهري حول النظرية الاقتصادية الأنسب لقيادة مستقبل البلاد؛ إذ يعيش العراق اليوم حالة من الهوية الاقتصادية المشتتة التي تجمع أسوأ ما في النظامين؛ فهو نظام اشتراكي بيروقراطي في آليات توزيعه، يعتمد بنسبة تتجاوز 90% على ريع النفط لتمويل رواتب تلتهم نحو 75 تريليون دينار عراقي سنوياً، وفي المقابل، يمثل نظاماً رأسمالياً منفلتاً في آليات استهلاكه واستيراده.
وقد أنتج هذا التشتت نموذجاً من الخصخصة الاضطرارية المشوهة، تبرز شواهدها الجلية في قطاعي التعليم والكهرباء؛ حيث تحولت خدمات أساسية كـالطب والهندسة في الكليات الأهلية الى سلع تجارية تُشترى بالمال عبر قبول معدلات متدنية تقل نحو 15%عن التعليم الحكومي، مما يهدد الكفاءة الوطنية مستقبلا ويسحق مبدا تكافؤ الفرص لصالح طبقية مالية حادة، في ظل غياب الرقابة الصارمة للدولة.
وبناءً على هذه المعطيات، يتجلى نظام (اقتصاد السوق الاجتماعي) بوصفه المخرج الأستراتيجي الوحيد للبلاد لكونه يدمج حيوية الأستثمار والقطاع الخاص مع الحفاظ على دور الدولة حَكَماً ومراقباً يضمن العدالة الأجتماعية والتسعير العادل ومتفاديا بذلك أنتحار الأشتراكية الريعية وقنبلة الرأسمالية المطلقة.
إن الانتقال الناجح نحو هذا النموذج المختلط يتطلب حزمة من الخطوات التنفيذية العاجلة؛ تستهلها وزارة التعليم العالي والنقابات المهنية بفرض امتحان كفاءة وطني موحد وصارم لمنح رخص ممارسة المهن العلمية، لقطع الطريق على تجارة الشهادات وحماية أرواح المواطنين.
ويتزامن ذلك مع تفعيل دور مجلس المنافسة ومنع الاحتكار لمراقبة الأسعار والأقساط الدراسية، وفرض عقوبات رادعة على الجشع التجاري. ولتخفيف الضغط عن الموازنة العامة، ينبغي التطبيق الصارم لقانون التقاعد والضمان الاجتماعي الجديد في الشركات الأهلية بموازاة تحديد حد أدنى للأجور، مما يشجع الشباب على العزوف الطوعي عن طوابير التعيين الحكومي.
وأخيراً، يتوجب تحويل الدعم السلعي العشوائي إلى دعم نقدي مشروط يوجه حصراً للفئات الأشد فقراً، مع استثمار الفوائض المالية في تطوير المستشفيات والمدارس الحكومية لتنافس القطاع الخاص وتجبره على خفض كلفته. إن مستقبل العراق لا يُبنى بترك الحبل على غارب الخصخصة السائبة، بل بصياغة هوية واضحة تقوم على رأسمالية منضبطة تحرك السوق، وتحميها سلطة قانون عادلة.