النفط مقابل الاستقرار.. خارطة طريق عراقية للعبور بين العمالقة

مقالات 02 November 2026
بقلم: صبيح الكعبي

يشهد العالم إعادة تشكيل جيو-سياسي تقوده القارة الآسيوية، حيث يقف التنين الصيني والفيل الهندي كقطبين يعيدان رسم توازنات القوة والنفوذ. وفي هذا الفضاء المتحرك، تبرز جغرافية العراق كحلقة وصل حيوية لا يمكن للعملاقين تجاوزها، مما يفتح أمام بغداد نافذة فرص تاريخية لتحويل ثروتها النفطية إلى استقرار مستدام، شريطة الانتقال من التنظير السياسي إلى التنفيذ الإجرائي البراغماتي عبر خطوات عمليّة ملموسة تعزز المصلحة الوطنية وتتجنب الصدام مع الحليف الأمريكي.

تتحرك العلاقة بين بكين ونيودلهي في مساحة معقدة تجمع بين الشراكة الاضطرارية في تكتلات كبرى مثل مجموعة “بريكس” لإنهاء الهيمنة الغربية، وبين الصدام الحذر والنزاع الحدودي في جبال الهيمالايا، تزامناً مع انخراط الهند في تحالف (Quad) مع واشنطن لكبح التمدد الصيني. وبناءً على هذا التباين، يبرز ميزان الإمكانات؛ فالصين تهيمن على سلاسل الإمداد العالمية باقتصاد جبار وتفوق تكنولوجي وعسكري، بينما تتميز الهند بكتلة بشرية شابّة، واقتصاد هو الأسرع نمواً، وريادة عالمية في قطاع البرمجيات والصناعات الدوائية.

إن حاجة القطبين الملحة لملف الطاقة تمنح صانع القرار في بغداد ورقة تفاوضية قوية لصياغة معادلة “النفط مقابل الاستقرار والتنمية”. ويبدأ مسار التطبيق الفعلي بتأسيس أمانة عامة عليا عابرة للروتين الوزاري تدير مشروع “طريق التنمية” وميناء الفاو كجهة تفاوضية موحدة لتقديم العراق كممر لوجستي آمن يربط بضائع البلدين بأسواق أوروبا، بالتوازي مع هندسة موازنة جغرافية ذكية تمنح عقود الغاز النظيف والطاقة للشركات الأمريكية والغربية، بينما تخصص مشاريع تكرير النفط والبنى التحتية الثقيلة للجانب الصيني بنظام المقايضة المباشرة.

ولحماية هذا الحراك الاقتصادي من مقصلة العقوبات المالية التي يفرضها البنك الفيدرالي الأمريكي على حركة الدولار، يتوجب على العراق تفعيل استراتيجية الدفع بالعملات المحلية البديلة كاليوان الصيني والروبية الهندية لتسوية الواردات السلعية والطبية، مما يبقي سلة الدولار بعيدة عن الشبهات ومخصصة للالتزامات الدولية الحاكمة.

ويتكامل هذا المخطط بتوظيف دبلوماسية التخصص التي تستقطب الخبرات الهندية العملاقة لأتمتة النظام المصرفي والضريبي ومكافحة الفساد، مع استغلال ثقل نيودلهي الاستراتيجي كحليف موثوق لواشنطن ليكون بمثابة مصد سياسي يبدد التوجس الغربي ويثبت أن الانفتاح العراقي نحو الشرق متزن ومدروس.

إن الدبلوماسية المتوازنة ليست وقوفاً في المنطقة الرمادية، بل هي أقصى درجات الذكاء السياسي لحماية السيادة الوطنية. ومن خلال تحويل العراق إلى جسر اقتصادي تتكامل فيه المصالح الدولية بآليات تنفيذية حكيمة، يمكن لبغداد أن تؤمن مستقبلاً زاهراً وتنمية حقيقية تستحقها العراق.

الوسوم: صبيح الكعبي