طفيلية تبعية وتقليد والاقتداء بالآخرين والانقياد لهم - الجزء الأول

مقالات 28 October 2026
بقلم: حسن كاظم الفتال

بداية نقول: مفردة تقليد تشير إلى وجوه ومعانٍ كثيرة وهي مصدر لـمفردة (قَلَّدَ) أي اقتبس الفرد أو استقى من آخرين أو احتذى بهم أو إقتدى أو أطاع أو ورث أمرا من أسلافه ممن سبقوه وربما من الآباء والأجداد فاكتسب عادات وتقاليد وأعرافا وسلوكيات (قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) ـ المائدة/ 104. وحتى التمظهر بمظاهر معينة متبعاً ذلك بإطاعة أو انقياد أعمى إما بغفلة وسهو أو بعصبية وانحياز أو بتوجيه من فئة أو طبقة ما أو أشخاص محددين وذلك ما يشير له قوله تعالى: ( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ) ـ  الأحزاب/ 67

والتقليد أن يتقلد الفرد أمرا كما يتقلد القلادة ويجعلها في عنقه

ومن تعريفات وتوصيفات عملية التقليد هي أنها نتيجة تأثر الفرد أو تطبعه بطبائع أفراد بمجتمعات أخرى ينساق للاقتداء بهم واتباعهم بتقليدٍ أعمى كما يقال أشبه باللاوعي واقتفاء آثارهم وتجذبه مآثرهم أو ما يعتقد أنها مآثر ومناقب فيحذو حذوهم بمزاولة بعض الممارسات التي يمارسونها كإجراء أو تطبيق عمل معين لآخرين أشبه بالمحاكاة أو الاستنساخ والإتباع بالسلوكيات وثمة من يحسب هذا التقليد صيغة من صيغ المجاملة أو المحاباة فضلا عمن يندفع اندفاعا ذاتيا والدواعي كثيرة ومختلفة.

والحصيلة تعني إنها عامل من عوامل الاكتساب كما يعتقد بعض المُقَلِدين. وربما يبلغ الأمر بالتقليد الأعمى أحيانا مبلغ الرق والعبودية

معارف تُجلي القلوب الرائنة

وحين نعمد إلى بيان تصنيفات يحق لنا نبين أن صنفًا من أصناف التقليد يحمل سمة التقليد الإيجابي مما هو لا ريب فيه وممدوح في تعاطيه دون أن يشكل ضررا وما ينتج إلا ما هو نافع ومفيد وهو التقليد العقلاني بعد التمحيص والتمعن والتدقيق والتأكد بأن ذلك يسوق إلى مواطن التطور والواقع الحضاري وإثراء وإغناء العقل الجمعي ويحفز على الانفتاح على حضارات ومعارف وثقافات المجتمعات المتقدمة وتمازج الأفكار واكتساب أفضل المعارف وتطور الثقافات وتوسعها وجعلها المرتكز الأساس لبناء جيل تبدو عليه أمارات التقدم والتطور وملازمته لها. وقد جاء عن الإمام الصادق صلوات الله عليه أنه قال: تلاقوا وتحادثوا العلم فإن بالحديث تجلى القلوب الرائنة، وبالحديث إحياء أمرنا فرحم الله من أحيا أمرنا.

وهذا النوع من التقليد يُعَد صيغة أو نمطا من أنماط إنتقال المعارف أو الثقافات أو الأعراف والتقاليد والآداب ذات المنشأ الحسن البديع والرائع من تلك التي تلقى قبولا واستحسانا وتؤدي دورا فاعلا في تحسين وتوسيع الروابط الاجتماعية وتطور الخبرات وتنميتها وتبادل التجارب في الوقت نفسه وينشئ الإستقرار والطمأنينة وينمي الوعي والإدراك ويعزز التوافق بين المجتمعات المتحضرة بتبادل المعارف وتنمية الطاقات والقدرات والاستفادة التامة من تنميتها وتطويرها والسعي إلى ابتكار وإيجاد مبادرات تكون نقطة شروع واسعة للإنطلاق إلى مسارات التقدم والتطور حتى في تقوية الترابط القيمي والمبادئي وترويض النفوس وإثراء الجانب الطبائعي والتطبعي والحرص على تحسينها وإدامتها لتكون منهجية فكرية عقلانية نافعة ومفيدة في كل جوانبها .

والتقليد الإيجابي ينبغي أن يقتصر على المجتمعات المتحضرة المتقدمة التي تحفز على الارتقاء تتبنى تنمية الأفكار وتنوير العقول ببيان المفاهيم الإنسانية الحقة واتخاذها منهجية إلى بلوغ ذرى الفوز والارتقاء بكل ما يشير إلى معاني الإنسانية

وبذلك يسهم التقليد الإيجابي في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، إذ يُساعد على صيانة جودة القوانين والقيم المشتركة في المجتمع. كما يسهم أيضًا في تبادل المعرفة وتطوير المهارات، حيث يستند الأفراد إلى خبرات الآخرين والاكتساب منها لتحقيق التطور والتقدم. وهذا ما يذكرنا بأمر معين وهو كيفية إيلاء الإهتمام البالغ من قبل الآباء في حث وتشجيع الأطفال وتحفيزهم على تقليد الآخرين بالأعمال والحركات والأفعال والممارسات الجيدة والنافعة منها طبعا ويسعون لترويضهم والاستدامة عليها

تعاضدية النضوج والأرجحية في الإختيار

حين يؤسس الوعي الفكري مائزا ويهبنا القدرة على تملك الفيصل أي الفصل بين ما هو نافع وما هو ضار ونتثبت من ذلك لعلنا نرتشد إلى التفريق بين التقليد الايجابي النافع والآخر السلبي الضار

مما لا يخفى على أحد أن المنطق والواقع والعقلانية يحتم على الإنسان أن يجهد في أن يجعل عقله ناضجا راجحا نصوحا كما يسعى لصون سلامة عقله ودوام السلامة والرجاحة والنصاحة والنضوج عند ذاك يطاوع عقلَه ويوظفَه ويجعله أداةً للإبداع ويسخره للإنتاج النافع المجدي ويتخذ من عقله ميزانا يُعَيِّن من خلاله الإعتدال أو يجعله أي العقل مشكاة تبث مشعاتُها العلميةُ والمعرفيةُ مدركيةً تحجب سلطة وسطوة الإضطراب الفكري فترشد إلى سبل التقليد السليم واللائق بعظمة نضوج العقل ورجاحته ويقود إلى صحة وحسن اختيار من يستحق الاقتداء به. عند ذاك ندرك تمام الإدراك ممارسة وكيفيات الاقتداء بمن هو أنفع وأحق وأصح شرعية على أن يُقتدى به من السائرين بطريق الهدى من الصالحين المستبصرين والعاملين عليها بالخير بصدق وإخلاص

وهل ثمة أفضل وأسمى وأنفع وأجدى وأصح وأحق شرعية ما يمكن أن نقتدي بهم من أئمة الهدى من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وأن نتخذهم أسوة حسنة لنا . وهذا ما يبرهن على أننا نمتاز بالبصيرة الحادة والوعي التام ولا باس أن يكون ذلك يحدث مع عظماء البشر .

وهذا نمط من التقليد الإيجابي الذي ينتجه تسخير العقل لكل ما هو خير ورحمة وبركة

دواعي التمسك بالهوية ومآثرها

أما التقليد السلبي فليس غريبا أن يلحق أضرارا بالغة بالأفراد والمجتمعات ويسلب من المجتمع خصائصه المميزة ويجبره على الانسلاخ من عمق شخصيته وإبراقة هويته ويتخلى عن وظيفة ابتكار الأفكار ويفقده عنصر الحرص والإندفاع والتسمك بكل ما هو حسن وجيد من المآثر والمناقب ويميت عند المجتمع الإحساس والشعور بالاعتزاز بهويته المشرفة والتفاخر بشخصيته ويسبب تيبس جذوره المتينة النقية الطيبة وتحجرها إذ أن التقليد السلبي هو عبارة عن عملية إنتقال ثقافات دخيلة وغريبة تداهم المجتمع المتمدن الواعي وتغزوه بمختلف ألوان وأنماط الثقافات والمعارف والعادات والتقاليد غير المألوفة وذلك ما يؤدي إلى فقدان سمات الهوية وإنعدام هيبة ووقار الشخصية.

ولعل ذلك يتسبب في غياب ثقافات وتفشي الجهالة والتخلف وانحسار الأصالة للمجتمع.

إلى اللقاء في الجزء الثاني