قصدية التملق.. بين الغاية والمغيا

مقالات 02 October 2026
بقلم: حسن كاظم الفتال

التملق لغة واصطلاحا مأخوذ من أصل الملق الذي يعرف بأنه اللطف الشديد في التودد والثناء اللطيف إنما ليس حقيقيا صادقًا. 

والتملق يُعَرَّف بأنه التكلف والمبالغة والإفراط في القول أو في التصرف وربما يبلغ مرتبة النفاق والمراءاة والتدليس والمداهنة وما يلتقي بها. 

وربما يمثل محاولة إخفاء أو كتمان العيوب أو التستر عليها وإخفاء المعايب والمثالب وطمسها أو إظهارها بغير وجهها الحقيقي وتصويرها بأنها مناقب. 

والتملق سواءٌ كان طبيعة فطرية أو سجية أو تطبعا مكتسبًا واعتيادا مُتَّبَعًا فهو ظاهرة سيئة منبوذة يرفضها أهل الحجى وأصحاب الحكمة ويستهجنها حتى الأفراد الذين يمتثلون للقيم والمبادئ والمثل السامية إذ هو أي التملق يعكس آثارًا سلبية للغاية على الأفراد والمجتمع . 

وبما أن التملق يعتمد الإطراء والثناء والمديح للآخرين بغير وجه حق وإظهار التودد علنًا وبنمط يختلف كثيرا عما هو غير معلن ومع عدم المصداقية وهو أوسع باب من أبواب النفاق والمراءاة والدجل. إذن هو نمط من أنماط الكذب والتدليس. وحالة من حالات عدم تطابق الفعل مع القول أو الظاهر مع الباطن وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: ( ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: مَنْ إِذَا ائْتُمُنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ) ولعل المتملق معنيٌ بهذا التوصيف إذ هو يتسم بالإزدواجية في التعامل ويعتمد اختلاف العلن عن السر والظاهر عن الباطن ويكون تعبيره وممارسته بالسلوك الظاهري مختلفَا تماما عن النوايا وما تحوي السرائر.

ليس البراعة في الإطراء منقبة 

وليس فينا من لا يحسب هذا الانطباع أنه انطباع أو صفة ذميمة يناهض ويعاكس مسايرتها الأفراد من حملة الهوية الإنسانية المتقلدون مقاييس الإحترام والثقة بالنفس.

ولا غرابة بالقول أن التملق يخلف أضرارًا كثيرة. .. وثمة من يعد ظاهرة التملق وممارستها بأنها فن من الفنون التي يتعاطاها من هو مختص متمرس بقلب الحقائق بحنكة ودهاء وبالتعاطي بهذا الفن بمهارة وحذاقة إن صح التعبير أنه فن. 

وطبيعة هذا الفن وخلاصته القدرة والبراعة في أن إطلاق وإبراز كلامٍ لسانيٍ نفائحيٍ لينٍ إنما هو منبعثٌ من أغوار عتمات الغلظة ومن خفايا سرائر النفس غير الواقعية الجلية. 

وغالبا ما يصف الناسُ المتملق بأنه شخص إنتهازي وصولي يسعى إلى أن يحقق مصالحَ ومآربَ شخصية منفعية إلا أن ما نلمسه أحيانا أن معظم المتملقين الذين يمارسون هذا الصنيع قد لا يتسنى لهم تحقيق ما يصبون لتحقيقه وما يبتغون 

لذا يُلاحظ أن مثل هؤلاء ليس فقط لا يحظون باحترام الناس. إنما حتى لا يحظون باحترام من يقدمون له فروض التملق أي لمن يتملقون له.

ليس كل غاية تبرر الوسيلة 

مما هو واضح ومعلوم أن بعض المتمرسين والمبادرين المستديمين على ممارسة التملق يمتلكون مهارة في استخدام وسائل تُسهل لهم عملية تحريف بعض الثوابت واستبدال الحقائق بدقة عالية وقلب ما يمكن قلبه وتحويل ما يتيسر تحويله إلى عكس واقعه ويتم ذلك ببذل جهود لإبداء الإقناع لمن يستلزم إقناعه وبترسيخ تام أيضا وبذلك يحققون ما يرومون تحقيقه ولعل ذلك التصرف يتم بإدراك وثمة من يستحسن هذا التصرف  

ولعل مصداق ذلك ميول بعض الموظفين لهذه الظاهرة واعتمادها طوال التواجد في موقع العمل 

فهو يسعى متعمدًا في لفت الأنظار إليه وجذبها أملا أن يُوَلِّد إنطباعًا معينا لدى المسؤول ليجعله محبوبا لديه مرغوبًا بوجوده ليضمن طول الإقامة والبقاء في موقعه لأمد أطول والتصدر عسى أن ييسر ذلك له التحكم بمصائر الآخرين حتى حين يدعوه ذلك لأن يمارس التلصص والتجسس على أقرانه.  

ومما لا يرقى له الشك أن مثل هذا الصنف من الموظفين المتملقين يشكلون عبئا كبيرا على زملائهم.

وهؤلاء يصفهم زملاؤهم بأنهم أشخاص مصابون بمرض نفسي أو بازدواجية يتعذر عليهم التبرؤ منها أو معالجتها.

إذ إن المتملق يتفوه بكلام سلس ناعم لمن يريد ويبرز خشونة لمن يعتقد بأن هذه الخشونة تؤدي غرضها.

 يتظاهر بالوداعة واللطف وطيب العشرة ويبدو وكأنه مشحون بالود والمحبة والسكينة ويظن بأنه معنيٌ أو ملزم بتقديم فروض التملق التي تمليها عليه فروض الطاعة والولاء. ذلك ما لم يتم إلا بالمنطق المنمق المزوق. 

وحين ينسب ذلك التوصيف إلى الموظف مثلا ويتاح له أو يجبره الظرف لأن يظهر ما فيه من خفايا فما له إلا أن يتظاهر بأتم الجاهزية والإستعداد والأهلية لتنفيذ الالتزامات بكل دقة وحرص وحماس تامين إنما الباطن لا يشبه أبدا الظاهر وما ذلك إلا كلام لا ينم للمصداقية بصلة.

حين تبنى السعادة على اسى الآخرين

ولعل الأمر الذي لا يخفى على الكثير من أن المُتَمَلَّق له أحيانا يعلم علم اليقين بأن من يتملق له هو شخص زائف مزيف وفي الوقت ذاته هو ظالم ومتجبر في تعاطيه مع الآخرين ومع الحقائق وأحيانا يصل إلى حد استحقاق الملعونية من قبل السماء والناس .لكنه يفيض بتملقه. بغية تحقيق مرادٍ أو نيل رضا من يعتقد أن الفوز والنجاة برضاه. 

وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: ( إنما يحبك من لا يتملقك، ويثني عليك من لا يسمعك) . إذ إن هذا المتملق لعل في أحيانِ معينة هو لا يحقق أي مطلب أو مقصد أو مأرب إنما لا يحجبه ذلك عن الممارسة بمجانية التملق إذ إن تطبعه يسوقه للتظاهر على أنه في أتم الإستعداد والأهلية لأن يفترش لسانه ليمد عليه عبارات تتنزع منه كل القيم والمبادئ التي يزعم أنه يحملها. متصورًا أن له الحق في أن يؤسس ما يظن أنها سعادة على تعاسة وسلامة أناس آخرين. وأقسم أن أحدهم يوما ما قال باللهجة العامية( اللواگة تسري بدمي ) وهو صادق حقا

وعندما يُعدُ التملق أنه فن فلا يحترف هذا الفن إلا ضعاف النفوس ومن يليق بهم وصف الخانع المتذلل وينشطر من هذا الفن والتفنن براعة مسح الأكتاف ابتغاء تحقيق المراد باستجداء الرضا المزيف في غير وجه حق. 

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله : (مَنْ طَابَقَ سِرُّهُ عَلاَنِيَّتَهُ وَوَافَقَ فِعْلُهُ مَقَالَتَهُ فَهُوَ اَلَّذِي أَدَّى اَلْأَمَانَةَ وَتَحَقَّقَتْ عَدَالَتُهُ ).

وهل كل ساعٍ يحظى بمراده

بما أن بعض الأفراد يظهر وكأنه مجبول على ممارسة التملق وبامتياز ينفرد بالتفنن في ممارسة التملق وهو دون أن يعلم انه يمارس حالة تشكل أشد ضررٍ على من حوله فحين يهيل المتملق المديح والثناء في ظرف بغير أوانه. ويتعمد في قلب الحقائق ويجعل العالي سافلا والسافل عاليا ويبدي براعة حين يصور السرابَ ماءً زلالًا عذبًا وكأنه يحيل الظلام إلى نور والواقع إلى زيف والخديعة إلى واقع بصدقٍ وإخلاص ووفاء. ولعل ذلك يجد طريقا لإقناع بعض من يتمنى أن يصدقه بما يطرح من الأقوال والأفعال.

 لقد سجل التاريخ الكثير من المواقف المؤلمة التي سجلها أو جسدها بعض الناس من المداحين والممجدين بإفراط

سواء بالملوك والسلاطين أو حتى بأفراد متنفذين

ومما لم يكن غريبًا على أحد أن معظم المسؤولين أو أصحاب المناصب يقربون المتملقين بل يعتمدونهم ويتخذون منهم أدواتٍ معينة...حتى حين يدركون أن ما يصنعه المتملق ليس حقيقة بل مفرغة من كل مصداقية إنما يصر على تقريبه منه.

ويقصي ويبعد أو يحجم من هو أكثر مصداقية من هذا المتملق 

بل يتخذه عنصرا مهما من عناصر تمرير الكثير من المآرب

ثمة من يستخدم الطلاسم في حديثه وفي منهجيته أي بأتم غموض.

تراجع .. ولات حين مندم

والأمر الجلي ليس التملق إلا سبيلاً من سبل إذلال الشخصية وسلب عزة النفس من الشخص وتوهين شانه وانتهاكًا لكرامته وهو من مؤشرات ضعف الإيمان واضطراب سلوك الإنسان وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله : (إياك والملق، فإن الملق ليس من خلائق الإيمان)

وغالبًا ما يهيل المتملق المديح والثناء على أشخاص لا حبًا واعتزازًا بهم إنما بغية إحراز ما يصبو إليه وما يروم تحقيقه من المصالح. وثمة من اعتاد أن يكثر ويسهب في إنثيال الثناء والإطراء والمديح على من يظن أنهم السبيل إلى إحراز ما يتمنى إحرازه خصوصا من أصحاب النفوذ فيسرف بإفراطٍ في المديح والثناء والإطراء ولكنه سرعان ما ينتابه الندم أحيانًا حين يجد أن إطراءه وثناءه أصبح هباءً منثورا دون أن يحرز شيئًا مما يبتغي. عند ذاك يحيل الثناء والمديح إلى ذم وهجاء وربما يبلغ حد السباب والشتائم.

وقد صور الشاعر جحظة البرمكي هذه الحالة بقوله: 

سجدنا للقرود رجاء دنيا ** حوتها دوننا كف القرودِ 

فما انتفعت أناملنا بشيء ** رجوناه سوى ذل السجود

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله : كثرة الثناء ملق، يُحدث الزهوَ ويدني من العزة 

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه واله : ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم.