رأسمالية عراقية جديدة.. الحكومة تراهن على "السوق الاجتماعي" للهروب من الريع النفطي
رأسمالية عراقية
ويقول المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، إن “هناك توجهاً حكومياً لرسم هوية اقتصادية رأسمالية جديدة للعراق، وهي خطوة إيجابية ومهمة للانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي يقوم على تنويع مصادر الدخل وتشجيع الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص من خلق فرص العمل وزيادة الإنتاج والصادرات، وصولاً إلى تحقيق التنمية المستدامة.
ويبين، أن ”فلسفة الهوية الاقتصادية الجديدة للحكومة تقوم على تحويل حرية السوق إلى وسيلة لخلق الثروة، مع اضطلاع الدولة بدور الضامن للمنافسة العادلة والخدمات والحقوق، فضلاً عن تحويل الإيرادات النفطية من مصدر دائم للريع إلى رافعة لبناء اقتصاد متنوع ومستدام”.
ويشدد على أن ”نجاح الرأسمالية الجديدة في العراق لا يتحدد باسم النموذج الاقتصادي الذي تتبناه الحكومة، وإنما بمدى قدرتها على بناء اقتصاد يعزز الإنتاج، ويوفر فرص عمل أوسع، ويقلل الاعتماد على النفط، ويضمن وصول ثمار التنمية إلى جميع فئات المجتمع”.
السوق الاجتماعي
ويلفت صالح إلى أن ”اقتصاد السوق الاجتماعي يمثل خياراً يستحق الدراسة والتطوير، لكونه يتيح الجمع بين حرية المبادرة والكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، دون أن تتحول الدولة إلى مدير لجميع الأنشطة الاقتصادية، أو يترك المجتمع لمواجهة مخاطر السوق بمفرده”.
ويوضح، أن ”الثروة النفطية ينبغي أن تمثل جسراً للانتقال نحو الاقتصاد المنتج، فيما يتعين أن يكون القطاع الخاص شريكاً في الإنتاج والتشغيل والتصدير، ودور الدولة ينبغي أن يقاس بقدرتها على بناء المؤسسات وتحقيق المصلحة العامة، وليس بمجرد اتساع ملكيتها أو حجم إنفاقها”.
ويؤكد، أن “العراق لا يحتاج إلى دولة تقصي السوق، ولا إلى سوق تقصي الدولة، وإنما إلى دولة تنظم السوق، وسوق تحفز الإنتاج، ونظام اجتماعي يصون كرامة الإنسان”.
شحنات الدولار
وكشف رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، في مقابلة متلفزة، عن مفاوضات مع الجانب الأمريكي لزيادة شحنات الدولار النقدي المرسلة إلى العراق.
وأوضح، أن إرسال الدولار النقدي كان متوقفاً لأشهر قبل تسلمه مهامه، وأن المفاوضات أسفرت أولا عن تخصيص 140 مليون دولار شهرياً، قبل زيادة الكمية إلى نحو نصف مليار دولار.
وأضاف، أن الحكومة تسعى لرفع الشحنات إلى مليار دولار، مع إمكانية الحصول على شحنات أكبر قد تصل إلى مليارين ونصف المليار دولار على فترات، بهدف ضخ السيولة في السوق وتقليص فجوة سعر الصرف.
وأشار الزيدي إلى وجود مخاوف أمريكية تتعلق باستخدام النقد من جهات مسلحة تؤثر في حجم الإرساليات، مؤكداً استمرار التفاوض لمعالجة هذا الملف.
العزلة والحصار
وتحدث الزيدي، في المقابلة، عن أن العراق كان مهدداً بالحصار والعزلة الاقتصادية والدولية خلال فترة تكليفه بتشكيل الحكومة، مستحضراً تداعيات الحصار الذي عاشته البلاد قبل عام 2003.
وأكد، أن حكومته نجحت في تجنيب العراق العزلة الدولية، معتبراً تجاوز هذا الخطر إحدى أبرز خطواتها، نظراً لما كان يمكن أن يترتب عليه من تأخير التنمية وتعطيل متطلبات المواطنين.
ولفت رئيس الحكومة إلى أن حكومته حققت خلال الأشهر الخمسة الماضية إنجازات بعضها غير ملموس للمواطنين، وتقتصر معرفة تفاصيلها على دائرة محدودة من أصحاب الشأن والاختصاص.
ونبه الزيدي إلى أن التحول المطلوب لا يعني انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي أو استمرارها في إدارة معظم الأنشطة، وإنما بناء دولة مؤسسية كفوءة، وقطاع خاص منتج، ونظام اجتماعي يحمي حقوق المواطنين.
ضرورة لابد منها
من جهته، يقول الخبير الاقتصادي عامر الجواهري، إن ”العراق لا يمتلك خياراً سوى اتخاذ إجراءات لتنويع مصادر دخله والتحول نحو الاقتصاد الإنتاجي في مختلف القطاعات، مشيراً إلى أن البلاد تتمتع بمميزات إضافية، أبرزها المقومات السياحية التاريخية والتراثية والطبيعية والدينية التي تشمل مختلف الأديان.
ويضيف، أن ”العراق مطالب بخلق المقومات اللازمة لهذا التحول، بغض النظر عن مدى توافرها حالياً”، مبيناً أن “الإدارة الشاملة للبلاد، بما فيها الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان والحكومات المحلية في المحافظات، تتحمل مسؤولية تنفيذ هذا التوجه وفق استراتيجية شاملة لعموم العراق”.
ويرى الجواهري، أن ”اتباع هذه الخطوات يمثل ضرورة لا بديل عنها”، محذراً من أن غياب هذا التوجه “سيبقي العراق في حالة تراجع، ويؤدي إلى استمرار تدهور الأوضاع والتعرض لأزمات متتابعة”.
الثقة والموثوقية
وفي ما يتعلق بشحنات الدولار النقدي إلى العراق، يفيد الجواهري أن ”إدارة السيولة النقدية يفترض أن تكون بيد العراق، وأن يتخذ البنك المركزي الإجراءات اللازمة لتوفير السيولة المطلوبة في الوقت المناسب”.
ويعتقد، أن ”زيادة شحنات الدولار يمكن أن تعزز الثقة والموثوقية والمرونة لدى البنك المركزي في ضخ السيولة النقدية بالعملة الأجنبية، بما يساعده على تنفيذ سياسته النقدية والحفاظ، قدر الإمكان، على تقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية”.
ويستدرك الخبير الاقتصادي، أن ”تقليص هذه الفجوة بصورة فعلية يرتبط بتسهيل التحويلات المالية الرسمية لمختلف الشرائح، وتقليل حاجة المستوردين وأصحاب الأعمال إلى اللجوء للسوق الموازية، ومعالجة هذه المسألة تمثل جوهر الحل”.
تمكين القطاع الخاص
ويلفت الجواهري إلى أن “الجانب الآخر من المعالجة يتمثل في تمكين القطاع الخاص العراقي والمستثمرين، وتفعيل المشاريع غير المنفذة لتبدأ العمل والإنتاج”، موضحاً أن “زيادة الإنتاج المحلي ستؤدي تدريجياً إلى تقليل الحاجة للاستيراد، وإن كان هذا التحول سيجري بوتيرة بطيئة”.
ويرى، أن ”تحقيق هذه الأهداف يتطلب خطوات كبيرة ونفساً طويلاً وقدرات راسخة، إلى جانب إرادة وإدارة حكيمة ومهنية قادرة على إحداث التغيير”.
وفي شأن المخاطر المحتملة، لا يعتقد الجواهري أن الإجراءات الإصلاحية تمثل بحد ذاتها مصدر خطر، بل إن المخاطر الحقيقية تنشأ من التأخر في تنفيذ الإصلاحات المؤسسية والإدارية وتغيير منهجية الإدارة.
مهام وحدود الدولة
وفي ما يخص التوفيق بين تمكين القطاع الخاص والحفاظ على دور الدولة في توفير الخدمات والحماية الاجتماعية، يوضح الجواهري أن ”الجانبين مترابطان بصورة كاملة، إذ إن تمكين القطاع الخاص يتطلب توافر خدمات وبنية تحتية جيدة، إلى جانب المرونة الإدارية في تقديم التسهيلات والائتمان، وتوفير متطلبات السوق، وتقليل المعوقات ومعالجة الصعوبات والتحديات”.
وينوه إلى أن ”مسؤولية الجهات التي تدير البلاد لا تقتصر على توفير الخدمات، وإنما تشمل أيضاً تهيئة التسهيلات اللازمة وتمكين القطاع الخاص من أداء دوره الاقتصادي”.
ويحذر من أن ”استمرار هذا التأخر يؤدي إلى تراكم المعوقات والتحديات أمام القطاع الخاص، ويزيد من تجذر المشكلات وترسيخ الروتين والبيروقراطية والفساد، الذي أصبح متغلغلاً في العديد من الإدارات”.
ويشدد الجواهري على أن ”الإصلاحات المؤسسية تمثل ضرورة أساسية لأي عملية تغيير، سواء في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنتاجية، أو في الترويج للاستثمار وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار”.
ويخلص إلى أن ”تحقيق التحول الاقتصادي المنشود يتطلب تغييراً في العقليات وأساليب الإدارة والإدارات نفسها، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من معالجة المعوقات القائمة وإحداث الإصلاح المطلوب”.
وبين مشروع هوية اقتصادية تمنح القطاع الخاص دوراً أوسع، ومفاوضات لزيادة تدفقات الدولار، وإجراءات تستهدف ضبط الإنفاق والعقود، تتقاطع ثلاثة ملفات في مسار الحكومة الاقتصادي.
غير أن الاختبار الأبرز لا يتعلق بحجم الدولار الداخل إلى البلاد أو تسمية النموذج الاقتصادي الجديد، بل بمدى قدرة هذه التوجهات على تقليص الاعتماد على النفط، وتحويل السيولة إلى إنتاج وفرص عمل، وترجمة الإصلاحات المعلنة إلى نتائج يلمسها المواطن.