خبراء يدقون ناقوس الخطر بشأن تلوث دجلة والفرات

سياسية 28 September 2026
م يعد تلوث نهري دجلة والفرات ملفاً بيئياً مؤجلاً يمكن الاكتفاء بتشخيص مسبباته، بعد أن تراكمت التحذيرات والدراسات وتفاقمت مؤشرات التلوث وانعكاساته على الصحة والموارد المائية والنظم البيئية، وسط فجوة واضحة بين حجم المشكلة وقدرة البنى التحتية الحالية على احتوائها. وفيما يؤكد مختصون أن ضعف معالجة مياه الصرف الصحي واستمرار طرح المخلفات من بعض الأنشطة والمنشآت يمثلان أبرز مصادر التلوث، يشدد خبراء على أن غياب التطبيق الفاعل للضوابط والمحاسبة يبقي الأزمة قائمة، في وقت يطالب فيه المواطنون بتحرك عاجل يحمي مياه الشرب والزراعة. وبينما تقر وزارة البيئة أن مستوى التلوث بات كبيراً وأن مرحلة تشخيص مصادره انتهت، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الإجراءات المعلنة على الانتقال بالملف من دائرة التحذيرات والاجتماعات إلى حلول ميدانية ملزمة توقف التدهور وتحاسب الجهات المتسببة به.الخبير المائي والبيئي، وقال تحسين الموسوي للصحيفة الرسمية: إن التحذيرات من مشكلة تلوث مياه الأنهار تم إطلاقها منذ أعوام إلا أن الموقف حالياً تجاوز هذه المرحلة وأصبح متأخراً جداً، في ظل ما يترتب عليه من تداعيات صحية وبيئية.وأضاف أن هناك بيانات ومؤشرات كثيرة ترتبط بواقع التلوث، بينها تزايد الأمراض السرطانية وحالات الفشل الكلوي، فضلاً عن أسباب صحية أخرى.وأوضح أن التلوث المائي شهد خلال عامي 2013 و2017 مراحل وصفها بالذروة، فقد أشر تقرير سابق أعدته وزارة العلوم والتكنولوجيا لنماذج مياه مسحوبة من حوض نهر دجلة قرب منطقة الرستمية، نتائج وصفها بـ"الصادمة" نظراً لاحتوائها على مواد بتروكيمياوية مسرطنة.

وأشار إلى أن تصميم محافظة بغداد وضع على أساس تعداد سكاني لا يتجاوز مليوناً و500 ألف نسمة، أما تعدادها حالياً فتجاوز هذا الرقم بأضعاف، وهذا الأمر ينطبق على الملف الخدمي من ناحية الطاقات الاستيعابية، فعلى سبيل المثال لا تصل طاقة تصفية مياه الصرف الصحي لمحطتي الرستمية الأولى والثانية إلى 600 ألف متر مكعب، في حين تبلغ المدخلات اليومية من إنتاج الماء نحو أربعة ملايين متر مكعب، أما كميات مخلفات مياه الصرف الصحي وغيرها فتصل إلى نحو ثلاثة ملايين متر مكعب يومياً، الأمر الذي جعل محطات المعالجة الحالية عاجزة عن استيعابها، ما يدفع جزءاً كبيراً منها إلى حوض النهر.


ودعا الموسوي إلى تفعيل قانون حماية البيئة ووضع خطط طارئة وعاجلة لإيقاف التدهور وتخصيص الأموال المطلوبة وايجاد حلول ومخارج لمياه الصرف الصحي.بدوره، عزا الناشط البيئي، أنس الطائي خلال حديثه لـ"الصباح" تفاقم مشكلة تلوث مياه الأنهر إلى عدم تطبيق القواعد والضوابط البيئية بالشكل المطلوب من قبل بعض الجهات والمؤسسات الحكومية والقطاعات الأخرى.وأردف أن العديد من مصادر التلوث ما زالت قائمة حتى الآن، إذ يتم التعامل مع المياه الناتجة عن عمليات التنظيف وتحليل المواد والمخلفات الطبية والتي يجري تصريفها دون معالجة إلى نهر دجلة على أنها اعتيادية على الرغم من احتوائها على مواد وعناصر معدنية ضارة.


وأكد الطائي أن إعلان حالة الطوارئ او تخصيص الأموال من دون وضع خطة استراتيجية واضحة لمعالجة مصادر التلوث لن يؤدي إلى حل الأزمة.ونوه الطائي بأن فرق ودوائر البيئة تتلقى شكاوى بشأن بعض المعامل والمستشفيات والمنشآت التي قد تقوم بطرح مخلفاتها بطرق مخالفة، وتحاول اتخاذ الإجراءات اللازمة بحقها، إلا ان المشكلة تكمن في عدم تنفيذ الضوابط والإجراءات بصورة كافية.وفي هذا الإطار، شكا مواطنون في بغداد وعدد من المحافظات في أحاديث لـ"الصباح" من تغير نوعية المياه وانتشار الروائح والمخلفات بالقرب من مجاري الأنهار، فضلاً عن مخاوفهم من انعكاس التلوث على مياه الشرب والزراعة والصحة العامة.


وناشد المواطنون الجهات المعنية بالتحرك العاجل للحد من تلوث نهري دجلة والفرات، ووضع حلول فاعلة تنهي مظاهر طرح المخلفات ومياه الصرف والملوثات في مجاريهما ومحاسبة المتسببين بهذا الأمر، محذرين من أن استمرار هذه التجاوزات يفاقم الأضرار البيئية والصحية.


 وفي مقابل تصاعد التحذيرات، أكدت وزيرة البيئة سروة عبد الواحد في بيان صحفي أن تلوث نهري دجلة والفرات أصبح كبيراً، مشيرة إلى أن الاجتماعات بشأن الملف مستمرة منذ أكثر من عام وأن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من تشخيص المسببات إلى وضع الحلول مع تحديد مدد زمنية واضحة للمعالجة واتخاذ الإجراءات القانونية والعقابية بحق الجهات المخالفة. ونوهت بأن مرحلة تشخيص مصادر التلوث انتهت، وبدأت عملية المحاسبة، إذ لن يكون مقبولاً استمرار المخالفات البيئية بسبب تقاعس أو تأخر أي جهة عن أداء واجباتها.