مفهوما المعيَّة والتبعيَّة.. والحديث عن مصطلح الذيليَّة

مقالات 15 September 2026
بقلم: علي الراضي الخفاجي

من المفاهيم القرآنية التي تستحق تسليط الضوء على دلالاتها ومصاديقها مفهوما المعيَّة والتبعيَّة، حيثُ أراد الإسلام أن يهدينا من خلال كتاب الله الكريم إلى مع منْ نكون، وإلى منْ نتَّبعُ؛ ليُرسِّخَ فينا مبدأ الثبات في المواقف والأفكار بالشكل الذي ننطلقُ منه بإرادة واعية وليستْ منقادة بلا وعي وبصيرة، أو بشكل غريزي لا يُميِّزُ بين الغثِّ والسَّمين.

ومن الآيات التي تتحدَّثُ في موضوع المعيَّة، قوله تعالى((يأيُّها الذين آمنُواْ اتَّقُواْ الله وكونُواْ مع الصَّادقين)).التوبة/119، وفي قوله((ومن يُطِعِ اللهَ والرَّسُولَ فأوْلئك مع الذين أنْعَمَ اللهُ عليهم من النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهدآءِ ِ والصَّالحينَ وحَسُنَ أولئك رفيقاً)).النساء/69.

فإنَّ هذه المعيَّة التي وصفها القُرآن الكريم ليستْ معيَّة سطحيَّة قائمة على المصالح الآنيَّة والضيِّقة، إنها معيَّة ذات عُمْقٍ يجمعُ بين الانتماء والعمل والاتِّباع والحضور، معيَّة ترتقي بالمؤمن إلى درجة الولاء، ولكن أيُّ ولاء؟ إنه ولاءٌ حضاريٌّ بعيدٌ عن اعتبارات النسب والدم واللغة والعرق، يقولُ تعالى((والمؤمنُونَ والمُؤمنات بعضُهُمْ أوليآءُ بعض)).التوبة/71، ولاءٌ يُؤسِّسُ لالتزام لا يطفو على السطح، وقد جسَّد رسول الإنسانية صلى الله عليه وآله ذلك في سيرته عندما  أضاف الصحابي سلمان الفارسي إلى أهل بيته فقال: سلمان منا أهل البيت، كما قصَّ القُرآن الكريمُ لنا عن نفي الله تعالى ابن نوح من أبيه، فقال((قَالَ يا نوحُ إنَّهُ ليس منْ أهلك إنَّهُ عملٌ غيرُ صالح)).هود/46، ما يؤكد أنَّ المعيَّة تستبطنُ معنى الأهل، والأهلُ هو العمل، والعملُ لا يكونُ إلّا بالاتِّباع.. ولكن أيُّ اتِّباع؟

أيُّ تبعيَّة يريدُ منَّا الإسلام؟

الإسلامُ لا يُريدُ منَّا اتِّباعاً أعمى موروثاً، كاتِّباع الآباء والحكام من غير بصيرة، بل اتِّباعاً واعياً وبالبرهان، ومنْ صُوَرِ هذا الاتِّباع الأعمى الخوض في الباطل ونشر الأباطيل والبدع، كما يقولُ تعالى((وكُنَّا نخُوضُ مع الخائضين)).المدثر/45، وهي عملية اجترار للأقوال والأفكار دون وعي وتفكُّر.

فالإسلامُ في حقيقته هو الانتماءُ لله تعالى، يقول سبحانه((ومنْ أحْسَنُ ديناً ممَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وهُوَ مَحْسِنٌ واتَّبعَ ملَّة إبراهيم حنيفاً)).النساء/125، أي بشرط اتِّباع ملّة إبراهيم حنيفاً، يعني ذلك أنَّ الانتماء يقتضي الاتِّباع، ولا يقفُ عند الاسم والشعارات، فإنَّ مقتضى الولاء إما أن تكون فيه مع الله سبحانه أو مع أعدائه، ولا يقبلُ شيئاً آخر، كما كان نداء نوح لابنه((يا بُنيَّ اركب مَّعنا ولاتكن مع الكافرين)).

وقد ذمَّ تعالى أقواماً اتَّبعوا سادتهم وكبراءهم وآباءهم، فقال:((وقالواْ ربَّنآ إنَّآ أطعنا سادتنا وكبرآءَنا فأضلُّونا السبيلاْ)).الأحزاب/67، وقال((وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قريةٍ من نذيرٍ إلَّا قال مترفوها إنا وجدنا آبآءَنا على أمَّةٍ وإنَّا على آثارهم مقتدون. قال أَوَلَوْ جئتُكُم بأهدى ممَّا وجدتُّم آبآءكُمْ قالواْ إنَّا بمآ أرسلتُم به كافرون)). الزخرف 23-24، وهي حالة واقعة في السنن التأريخية للأمم إلى يومنا هذا.

المعيَّة ليست دائرة ضيِّقة

كما أنَّ المعيَّة تقتضي الحضور والمشاركة في الساحة، فعلى مستوى العبادات فإنَّ الله تعالى يحبُّ القنوت مع القانتين والركوع مع الراكعين والسجود مع الساجدين، وهي تربية على الحضور الجماعي الذي يقودُ إلى الحضور في المواقف الحرجة التي تُهدِّدُ الدين والوطن والمصير، لذا كانت أجلى صور الطاعة هي العبادات الجماعية كصلاة الجمعة والجماعة والعيدين، والتواجد لأداء مناسك الحجِّ والعُمْرَة، يقولُ تعالى((وأقيمواْ الصَّلاة وآتُواْ الزَّكاة واركعُواْ مع الرَّاكعين)).البقرة/43، وتلك هي معيَّةُ المؤمنين التي قال عنها تعالى في الآية الكريمة((يأيها الذين آمنُواْ اتقواْ الله وكونُواْ مع الصادقين))، وهؤلاء الصادقون ليسوا صادقين في القول فقط، بل صادقون حتى في العمل والمواقف، وهذه الأوصاف لا تجتمع بحقٍّ إلّا في المعصومين عليهم السلام، ولذا كانت معيَّتهم عاصمة من الزلل والتخبط، حيثُ ورد ذلك في عشرات المصادر من الفريقين بأنَّ المقصود بالصادقين أهل البيت عليهم السلام وبعضها صرَّحتْ أنه الإمام علي عليه السلام، ولا فرق.  

وإنَّ معيَّة الصادقين معيَّة صلبة كمعيَّة الأوائل الذين صدقوا في مواقفهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله، حيثُ وصفهم تعالى بقوله((والذين مَعَهُ أشدَّآءُ على الكُفَّار)).الفتح/29، وليستْ معيَّة ضعيفة سرعان ما تستسلمٌ في ساعات العُسْرَةِ، كما حكاها سبحانه عن قول بني إسرائيل لموسى عليه السلام((فاذهبْ أنت وربُّك فقاتلا إنَّا ههُنا قاعدون)).المائدة/24، أو معيَّة انتهازيَّة ومنافقة، كما وصفها سبحانه((وإذا لقُواْ الذين آمنُواْ قالُواْ آمنَّا وإذا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قالواْ إنَّا معكُمْ إنَّما نحنُ مستهزءون)).البقرة/14، ولذا فإنَّ مجرد الصُّحبة التي كانتْ للرسول صلى الله عليه وآله لمْ تَكْفِ لحمل معنى المعيَّة على حقيقتها.

وصف الإمام علي عليه السلام للناس يُوضِّحُ المفهوم

ولنا في وصف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كفاية وهو يصفُ وينتقدُ هذه الفئة الإمَّعة، والتي جاءتْ في وصيته لكميل بن زياد النخعي:(النُّاسُ ثلاثة، فعالمٌ ربَّانيٌّ، ومتعلمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلُونَ مع كلِّ ريحٍ، لم يستضيئُوا بنورِ العلْمِ ولمْ يلجؤُوا إلى رُكْنٍ وثيق).

حيثُ أراد عليه السلام بتشبيهه بالهمج صغار البعوض أو الذباب الذي لا وجه له ولا وزن، وبالرعاع الجهلة وسفهاء الناس، وأتباعُ كلِّ ناعق: والناعق هو الصائح الذي يصيح بالغنم فتنقاد له دون وعي، أي أنهم يتبعون أيَّ مروِّج للفتنة أو صاحب شعار دون تمحيص، ويقصد بميلهم مع كلِّ ريح، أي أنهم يتقلبون مع الظروف, ليست لهم مبادئ، فهم انتهازية، وأنهم لم يستضيئوا بنور العلم: أي ليس لهم وعي وبصيرة، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق: أي ليس لهم مرجعية فكرية وعقائدية يستندون إليها في المواقف الصعبة وحصول الفتن.

وقد تواجه معيَّة المؤمنين صعوبات في طريقها، كما قال تعالى ((قالَ الملأُ الذين استكبرُواْ من قومه لنُخْرِجَنَّكَ يا شعيبُ والذين آمنُواْ معك من قريتنآ أو لتعُودُنَّ في ملَّتنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارهين)). الأعراف/88، وتأتي معيَّةُ الله تعالى لتنقذ الموقف، حيثُ يقول في آياته الكريمة((إنَّ اللهَ مَعَ الذين اتَّقَواْ والذينَ هُمْ مُحْسِنُون)).النحل/128، ومعية الله جلَّ وعلا تجلبُ السكينة وتزرعُ الأمل بالنصر؛ خصوصاً في ساعات العُسْرَةِ وعندما تضيق الصدور ويتعرض المؤمنون إلى القتل أو التهجير أو الإقصاء أو التسقيط جزاءً لمواقفهم وثباتهم، كما يقول تعالى((وقالواْ إن نتَّبعِ الهدى معك نُتَخَطَّفْ منْ أرضنا)).القصص/57، وقال((وزلزلُواْ حتى يقولَ الرَّسولُ والذين آمنُواْ مَعَهُ متى نصرُ الله)).البقرة/214.

ولعلَّ في قصة نوح عليه السلام والطوفان درساً كبيراً في معيَّة الله عندما تنزَّلتْ البركات بالأمن والسلام والطمأنينة، قال تعالى((قيلَ يانوحُ اهبطْ بسلامٍ منَّا وبركاتٍ عليكَ وعلى أُمَمٍ ممَّن مَّعك)).هود/48.

القرآن الكريم يحكي لنا عن معية الله للصادقين والصالحين

وفي مراجعة الآيات الكريمة لمعيَّة الله تعالى لأنبيائه، نجدُ كيف أنه سبحانه وتعالى نصرهم نصراً عزيزاً بعد معاناتهم في أداء رسالاتهم، منها:

((ولمَّا جآء أمرُنا نجَّينا هوداً والذين آمنُواْ معهُ برَحْمَةٍ منَّا)).هود/58.

((فلما جآء أمرُنا نجَّينا صالحاً والذين آمنُواْ معه برَحْمَةٍ منَّا)).هود/66.

((ولمَّا جآء أمرُنا نجَّينا شُعيباً والذين آمنُواْ معه برَحْمَةٍ منَّا)).هود/94.

((وأنجينا مُوسى ومن مَّعَهُ أجمعين)).الشعراء/65.

((فأنجيناهُ ومن مَّعهُ في الفلك المشحُون)).الشعراء/119.

الذيلية.. مصطلح في القاموس السياسي

هذه هي المعيَّة والتبعيَّة في ضوء القرآن الكريم، وما يترتب عليها من ولاء واتِّباع ومواقف، أما ما يصطلح عليه في الزمن الحاضر في التصنيف السياسي أو التوصيف الإعلامي بالذيليَّة، فإنهم يقصدون بها التبعيَّة للغير، وتبنِّي أفكاره ومواقفه من منطلق الضعف والحاجة وضياع الهوية، وقد قيل إنَّ هذا المصطلح أُطلق في الأدبيات السياسية الماركسية على مناوئيهم بوصفهم أنهم يسيرون في ذيل الأحداث بدلاً من أن يتقدموا المسيرة، حتى تحول المصطلح في الثقافة السياسية الحديثة ليعبر عن العمالة والتبعيَّة للخارج، ولكن ليس كلُّ من يدَّعي الذيلية على غيره مستقلاً بالضرورة، فقد يكون هو تبعياً، وربَّما يكون الإطلاق من باب رمتني بدائها وانسلَّتْ، فإنَّ هذا المصطلح يستخدم في كثير من الأحيان كأداة في الصراع السياسي والمناورات الإعلامية، أو لأجل تسقيط الغير، بخلاف من يكون موضوعياً في تعاطيه مع الأحداث والوقائع، وبعيداً عن المصالح الضيقة والآنية.