وقفة في رواية ظل السلطان.. ومقولة أفضلية الحاكم العادل
نتيجة القراءة السطحية للنصوص والفهم الناقص للوقائع والحوادث تبنَّتْ فئة كبيرة وضالة من الأمة الإسلامية الاعتقاد بالطاعة المطلقة لوليّ الأمر، بناءً على تفسيرهم أنَّ ذلك يوجب السمع والطاعة للحاكم المسلم حتى لو كان فاسقاً مالم يظهر كفراً بواحاً، واعتبروا الخروج عليه فتنة، وفي القراءة الدقيقة والواعية للنصوص الروائية فإنها نصوصٌ موضوعة وذات مفهوم سياسي مبتدع يبرِّرُ ظلم الحاكم وخنوع المحكومين، منها ما رُوي عنه صلى الله عليه وآله:(لاتسبُّوا السُّلطان فإنَّهُ ظلُّ الله في الأرض)، كتاب السُّنة، 2: 691.
وهذه الفكرة المبتدعة رغم قدمها إلّا أنها لم تستهلك؛ لوجود من يُغذِّيها من الوعَّاظ والسَّلاطين حتى في عصرنا الحاضر يوجد أيضاً من يتبنَّاها ويُعلِّلُ مواقفه بها، مع أنَّ الله تعالى قال في كتابه العزيز((ولاتركنُواْ إلى الَّذينَ ظلمُواْ فتمسَّكُمُ النَّارُ ومالكُمْ من دُّونِ اللهِ مِنْ أوليآءَ ثُمَّ لاتُنصرُون)).هود/113، وقال سبحانه((ولاتُطيعواْ أَمْرَ المُسْرِفينَ الَّذينَ يُفْسدُونَ في الأرضِ ولايُصلُحون)).الشُّعراء/ 151-152، وورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:(لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). الوسائل، 16: 147، وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام:(الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كلِّ داخل في باطل إثمان: إثمُ العمل به وإثمُ الرضا به). نهج البلاغة، ص/1163.
وجرتْ هذه السيرة التراجعية عن المبادئ الحقَّة للإسلام ما يحصل في الزمن الحاضر من عدوان غربي على إيران مع حليفتهم في المنطقة الكيان الغاصب، وتمكين الأنظمة العربية - التي تتبنى هذه الفكرة - الكافرين لضرب المسلمين من خلال ما أسَّسته الدول الكافرة على أراضيهم من قواعد عسكرية، وفي مياههم من أساطيل وغوَّاصات حربيَّة تمخرُ عُباب البحر، وتمكينهم من أجوائهم لتصول طائراتهم وتجول في المنطقة لضرب كلِّ من يقف ضدهم ويفكر في ردعهم، وفكرة الاستعانة هذه جعلوا منها ثقافة مُسْتساغة وأخذت مداها الواسع في المنطقة، ومؤكد أنَّ هؤلاء سيقفون في وجه الإمام المهدي المنتظر صلوات الله عليه عندما يظهر دعوته لإقامة العدل والقسط في المعمورة.
الوقوع في خلط ومغالطة
ولعلَّ هناك من وقع في خلط ومغالطة حول مقولة السيد رضي الدين علي بن طاووس(589-664هـ) عندما أجاب عن استفتاء هولاكو وقال: إنَّ الحاكم الكافر العادل أفضل من الحاكم المسلم الجائر، حيث فضَّل فيها السَّيِّد العدل في الحاكم على جميع الاعتبارات، وكانت إجابته عن طرح فرضته الظروف الصعبة لبلاد الإسلام ومصير المسلمين نتيجة سياسة حكامهم وانحرافهم واستئثارهم، وهذا لا يعني أنَّ هولاكو كان أنموذجاً للكافر العادل، وإن كان ليس أقلّ عدلاً من العباسيين الذين حكموا المسلمين قروناً من الزمن، وعاشوا في ترف، منغمسين في اللهو والمجون، وانتهى بهم الأمر إلى تسليم بلاد المسلمين إلى الغزاة العتاة من المغول،
فإنَّ أمر هذه الفتوى يختلف كثيراً عن ما يذهبون إليه؛ لأنَّ استعانتهم بالغرب وعلى رأسهم الأمريكان إذا كان من باب أنهم كفارٌ عدولٌ فالمسألة قمة في المغالطة بعد أن أثبت الواقع وحقائق التاريخ مشاهد واقعية عن ظلمهم وطغيانهم وتجبرهم واستعلائهم على جميع البشر، فهم بحق يمثلون الشَّيطان بوجوه بشرية، ويتحركون بدوافع دينية منحرفة من الكتب المُحرَّفة لديهم لتحقيق حلمهم في العيش في أرض الميعاد لاستعباد العباد، وتسخيرهم لسلطانهم وسطوتهم، وحرمانهم من امتلاك الخبرات وتسخير الثروات وتوظيف القدرات للنهوض ببلدانهم واستقلالهم بها.
تعليل ابن طاووس
وقد علَّل ابن طاووس فتواه بأنَّ الحاكم العادل الكافر كفره لنفسه وعدله للناس، والحاكم الجائر المسلم إسلامه لنفسه وظلمه للناس، وهو تعليل يتفق مع قاعدة الأخذ بأهون الشَّرَّين أو أخفُّ الضررين؛ لأجل اختيار البديل الأقل ضرراً أو فساداً للوقاية من ضرر أعظم وأخطر، فتكون الغاية الأساسية من السلطة هي إقامة العدل وحماية الحقوق، يقول تعالى((إنَّ الله يأمرُكُمْ أن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتُمْ بين النَّاسِ أن تحكمُواْ بالعدْل)).النساء/58.
ويكفينا في مراجعة فهم العدل والظلم بعد القرآن الكريم ما ورد عن الإمام علي عليه السلام، فقد قال عن العدل:(العدلُ حياة). ممَّا يُوضِّحُ أنَّ الحياة وسلوك الناس لايستقيمُ إلّا بالعدل، كما بيَّن أنَّ أجمل ما ينبغي أن يتصف به الحاكم هو العدل، فقال:(العدلُ قوامُ الرَّعيَّة وجمالُ الولاة)، وقال في معرض بيانه للأسلوب الأمثل في السياسة والذي يكفل استقامة الرعية وانقيادهم:(العدلُ أفضلُ السياستين)، أما عن الظلم فقد اعتبره سبب الانحراف والدمار والتراجع، حيث قال:(الظلمُ يُدمِّرُ الدِّيار)، وقال:(شرُّ الأمراء منْ ظلم رعيَّته). راجع: غرر الحكم. الآمدي، من ص/13-445.