حدود الدعم الأميركي
يكشف التطور الأخير في جنوب البحر الأحمر عن فجوة متسعة بين حجم التهديد الذي تستشعره الرياض وحدود الاستعداد الأميركي للتدخل لمواجهته. فمع تقدم جماعة أنصار الله الحوثيين نحو مدينة المخا وسيطرتها على جزيرة ميون المطلة مباشرة على مضيق باب المندب، وجدت السعودية نفسها أمام سيناريو كانت تسعى لتجنبه:
تهديد مباشر لصادراتها النفطية عبر ممر بديل كانت تعوّل عليه بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز جراء الحرب الأميركية الإيرانية. وقد دفع هذا التطور ولي العهد السعودي إلى الاتصال المباشر بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، طالباً تدخلاً عسكرياً أميركياً مباشراً لوقف التقدم الحوثي.
اللافت في هذا المشهد هو التحول في الموقف السعودي ذاته. فالرياض التي أبلغت واشنطن في تموز الماضي بأنها قادرة على مواجهة الحوثيين بمفردها، وجدت نفسها بعد أسابيع من التصعيد الميداني مضطرة لطلب إسناد أميركي مباشر، في مؤشر على أن حسابات القوة على الأرض تبدلت بسرعة لم تكن في الحسبان. غير أن الاستجابة الأميركية جاءت أقل بكثير من سقف التوقعات السعودية: فقد آثر ترامب عدم فتح جبهة عسكرية جديدة، مفضلاً حصر الانخراط الأميركي المباشر في ملفي إيران ومضيق هرمز، مع تقديم دعم استخباراتي ومساعدة في تحديد الأهداف بدلاً من ضربات مباشرة.
هذا التردد الأميركي ليس مفاجئاً إذا ما قُرئ في سياق أوسع. فإدارة ترامب، المنخرطة أصلاً في مواجهة مفتوحة مع طهران، تبدو حريصة على تفادي تشتت جهدها العسكري بين جبهتين بحريتين في آن واحد، خصوصاً أن أي تصعيد في باب المندب قد يُقرأ في طهران كفرصة لتخفيف الضغط عنها في هرمز، عبر فتح جبهة استنزاف إضافية لواشنطن وحلفائها. كما أن واشنطن تدرك أن انخراطها المباشر في حرب اليمن قد يعيد إحياء سردية “الحرب بالوكالة” التي أنهكت الشرعية الدولية للتحالف السعودي طوال سنوات الصراع السابقة.
بالنسبة للرياض، فإن هذا الموقف الأميركي يضعها أمام معضلة استراتيجية مزدوجة: فمن جهة، لا يمكنها الاعتماد كلياً على الدعم الاستخباراتي الأميركي لوقف تقدم ميداني سريع يهدد بنية تحتية نفطية حيوية؛ ومن جهة أخرى، فإن التصعيد العسكري المنفرد يحمل كلفة سياسية وعسكرية باهظة قد لا تحتمل الرياض تبعاتها في هذه المرحلة الحساسة إقليمياً.
وقد يدفعها ذلك إلى البحث عن مسارات موازية، تجمع بين الضغط العسكري المحدود والانفتاح على تفاهمات إقليمية أو حتى تفاوضية مع الحوثيين، لتفادي سيناريو الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على المملكة من ملفات أخرى.
في المحصلة، يبدو أن واشنطن تراهن على أن الدعم الجزئي كافٍ لاحتواء الأزمة دون الانخراط الكامل فيها، بينما تراهن الرياض على أن الضغط المستمر قد يدفع ترامب في نهاية المطاف إلى توسيع مظلة الدعم إذا ما تفاقم التهديد على الملاحة الدولية. وبين الرهانين، يبقى مصير باب المندب معلقاً على معادلة إقليمية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.