الحوثيون يوسّعون جغرافيا النفوذ

مقالات 15 September 2026
بقلم: ناجي الغزي

لا يمكن النظر إلى سقوط ميناء المخا باعتباره مجرد تطور عسكري في الحرب اليمنية، فالموقع الذي انتقلت إليه السيطرة يحمل قيمة تتجاوز حدود الجبهة، ويدخل مباشرة في معادلة القوة في البحر الأحمر وباب المندب. فالمخا تمثل نقطة ارتكاز متقدمة على الساحل الغربي، والسيطرة عليها تفتح أمام الحوثيين مجالاً أوسع للتحرك باتجاه الجزر والمواقع البحرية الحساسة، بما فيها حنيش وبريم، وتمنحهم موقعاً أكثر تأثيراً في معادلة الملاحة الإقليمية.

لكن الأهمية الحقيقية لهذه المعركة لا تكمن في إعلان السيطرة على المضيق بالمعنى التقليدي، بل في امتلاك القدرة على التأثير في أمنه وكلفة المرور عبره. فالقوة البحرية في عصر الصواريخ والمسيّرات والألغام لم تعد مرتبطة فقط بحجم الأسطول أو عدد السفن الحربية، إذ تستطيع قوة مسلحة محدودة أن تجعل ممراً دولياً عالي الكلفة والمخاطر إذا امتلكت القدرة على تهديد السفن وفرض حالة مستمرة من عدم اليقين.

وهنا تكمن إحدى أهم قواعد الحرب غير المتكافئة. فالسيطرة لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق باب المندب رسمياً، يكفي أن يصبح المرور فيه محفوفاً بالمخاطر إلى درجة تدفع شركات الملاحة والتأمين إلى إعادة حساباتها. ارتفاع أقساط التأمين، وزيادة تكاليف النقل والوقود، وطول الرحلات، والحاجة إلى الحماية العسكرية، كلها عوامل قد تدفع السفن إلى تغيير مساراتها طوعاً. وعند هذه النقطة تتحول القدرة العسكرية المحدودة إلى أداة ضغط جيوسياسية واقتصادية تتجاوز حدود اليمن.

ومن هنا يصبح باب المندب عقدة استراتيجية تربط الخليج العربي ببحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. وأي اضطراب في هذه السلسلة لا يبقى محصوراً في محيط المضيق، بل ينتقل أثره إلى أسعار الطاقة، وتكاليف الشحن، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن مصر تجد نفسها في قلب هذه المعادلة.

فقناة السويس ليست مجرد ممر ملاحي، وإنما أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والاستراتيجية المصرية. وكلما ارتفعت المخاطر في جنوب البحر الأحمر، ازدادت احتمالات تراجع حركة السفن أو انتقال جزء منها إلى طرق أطول وأكثر كلفة، بما ينعكس على إيرادات القناة وموقعها في منظومة التجارة العالمية. ولهذا فإن أمن باب المندب بالنسبة لمصر ليس قضية بحرية بعيدة، بل امتداد مباشر لأمن قناة السويس والأمن القومي والاقتصادي المصري.

أما السعودية، فتتعامل مع البحر الأحمر من زاوية مختلفة، لكنها تتقاطع في جوهرها مع الحسابات المصرية. فالمملكة تنظر إلى الساحل الغربي وموانئ البحر الأحمر، باعتبارها جزءاً من منظومة أمن الطاقة وتنويع منافذ تصدير النفط، خصوصاً في ظل حساسية مضيق هرمز.

ومن هنا تبرز العلاقة الاستراتيجية بين المضيقين: هرمز بوصفه بوابة رئيسية لخروج الطاقة الخليجية، وباب المندب بوصفه بوابة أساسية لحركة الطاقة والتجارة نحو البحر الأحمر وقناة السويس وأوروبا. وإذا تعرض هرمز وباب المندب للضغط في الوقت نفسه، فإن العالم لا يواجه أزمة في ممر منفرد، بل سلسلة من الاختناقات الاستراتيجية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، بما يرفع الكلفة الاقتصادية ويمنح القوى القادرة على التأثير في هذه الممرات أوراقاً سياسية أكبر.

وفي هذه المعادلة يظهر الدور الإيراني بصورة أكثر وضوحاً. فطهران لا تحتاج إلى امتلاك كل الممرات البحرية بصورة مباشرة حتى توسع مجال تأثيرها، يكفي أن تمتلك حلفاء قادرين على إنتاج الضغط في مواقع جغرافية مختلفة. ومن هذا المنظور، يمثل النفوذ الحوثي في جنوب البحر الأحمر ورقة إضافية في منظومة القوة الإيرانية، تضاف إلى موقع إيران المباشر في الخليج ومضيق هرمز. وهنا ينبغي التمييز بين السيطرة الجغرافية المباشرة وبين السيطرة بالنار والتهديد. فقد لا يمتلك الحوثيون السيطرة الكاملة على المياه الدولية أو القدرة على إدارة المضيق كقوة بحرية تقليدية، لكن امتلاك القدرة على تهديد السفن وتعطيل الملاحة ورفع كلفتها يمنحهم تأثيراً استراتيجياً يتجاوز بكثير حجمهم العسكري. وهذه هي المفارقة الأساسية في الحرب الحديثة: قد لا تستطيع القوة الصغيرة مواجهة الأساطيل الكبرى في البحر، لكنها تستطيع إجبارها على إنفاق موارد هائلة لحماية حركة الملاحة. ومن هنا ينتقل الصراع من اليمن إلى مستوى أوسع، هو صراع على الجغرافيا البحرية نفسها. فالموانئ لم تعد مجرد منشآت اقتصادية، والجزر لم تعد مجرد أراضٍ نائية، كلاهما يمكن أن يتحول إلى منصة نفوذ ومراقبة واستخبارات ولوجستيات وقدرة عسكرية. ولهذا اكتسب البحر الأحمر والقرن الإفريقي أهمية متزايدة في حسابات القوى الكبرى. وتبرز جيبوتي في قلب هذه المعادلة بحكم قربها من باب المندب، وتحولها إلى نقطة جذب للحضور العسكري الدولي. كما أن الوجود الصيني في المنطقة لا يمكن فصله عن المصالح التجارية وسلاسل الإمداد والموانئ، في حين تنظر القوى الغربية إلى المنطقة باعتبارها ممراً حيوياً لحماية التجارة والطاقة.

لكن اتساع الحضور الدولي يحمل مفارقة أخرى: فالقواعد العسكرية والقوى البحرية قد توفر مظلة لحماية الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تجعل البحر الأحمر والقرن الإفريقي ساحة مفتوحة للتنافس الدولي. وكلما ارتفعت القيمة الاستراتيجية للموقع، ازدادت شهية القوى الكبرى لامتلاك موطئ قدم فيه.

وفي الضفة المقابلة، يتزايد وزن القرن الإفريقي نفسه في المعادلة. إثيوبيا تبحث عن منفذ بحري، وإريتريا تحتفظ بموقع بالغ الحساسية، والصومال يواجه تحديات أمنية وسيادية، فيما أصبحت صومال لاند جزءاً من صراع متنامٍ حول الموانئ والنفوذ والاعتراف السياسي. وبذلك يتداخل الصراع اليمني مع تحولات أوسع في الضفة الإفريقية لباب المندب. لهذا فإن معركة المخا لا تنتهي عند حدود الميناء، ومعركة باب المندب لا تختصر في السيطرة على مضيق. نحن أمام صراع أوسع على من يملك القدرة على التحكم في حركة التجارة والطاقة، ومن يستطيع تحويل الموقع الجغرافي إلى نفوذ سياسي واقتصادي.

ومن هذه الزاوية، فإن سقوط المخا، إذا تحول إلى قاعدة لتمدد الحوثيين نحو الجزر والمواقع المشرفة على باب المندب، لا يمثل مجرد تغيير في خطوط القتال، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة في ميزان القوة بالبحر الأحمر، حيث تصبح الجغرافيا البحرية نفسها إحدى أهم أدوات الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.