الاستثمار لا يبحث عن الاستثناءات.. بل عن المؤسسات

مقالات 21 July 2026
بقلم: مازن ماهر الصفار

قراءة في خطاب رئيس مجلس الوزراء العراقي امام الشركات الامريكية


   شكل لقاء رئيس مجلس الوزراء العراقي مع عدد من كبرى الشركات الامريكية ضمن زيارته الحالية للولايات المتحدة محطة مهمة في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ليس فقط بسبب حجم الشركات المشاركة في اللقاء بل لأنها تمثل مؤسسات تمتلك خبرة عالمية طويلة ورؤوس أموال ضخمة وتلعب دوراً ريادياً على مستوى العالم في قطاعات الطاقة والبنى التحتية والتكنلوجيا. ولا شك ان انفتاح العراق على هذه الشركات يمثل خطوة إيجابية اذا ما كانت هذه الخطوة ضمن خطة اقتصادية واضحة تستهدف الخروج من الاقتصاد الريعي الحالي للعراق نحو تنويع الاقتصاد. 

   إن أهمية هذه اللقاءات لا تقاس بعدد الشركات المشاركة ولا بمذكرات التفاهم والتفاهمات المعلنة، بل بطبيعة الرسالة المقدمة لتلك الشركات ومدى استجابة الشركات لتلك الرسائل. فالشركات الكبرى لا تتخذ قراراتها الاستثمارية استناداً الى الخطابات السياسية او العلاقات الدبلوماسية، وإنما تستند على دراسات مالية وقانونية دقيقة، تقيس حجم السوق والعوائد المتوقعة، واستقرار السياسات العامة للدولة، والوضع الأمني والسياسي، واليات فض المنازعات وإدارة المخاطر وكفاءة المؤسسات الحكومية والشفافية والحوكمة والبنى التحتية المتوفرة وحتى طبيعة المجتمع والثقافة العامة والكثير من العوامل الأخرى التي تدرس بعناية ثم يتخذ القرار فيها من قبل المساهمين ومجالس الإدارة. ومن هذا المنطلق يبرز السؤال المهم حول لقاء الزيدي: هل قدم السيد الزيدي الرسائل التي تبحث عنها الشركات العالمية ؟ 

   ان الخطاب الموجه لتلك الشركات ركز بصورة واضحة على مفاهيم التعاون والشراكة والاستعداد الحكومي العراقي لتقديم التسهيلات والاستثناءات من البيروقراطية والإجراءات الإدارية المعقدة، وهي رسائل تعكس رغبة الحكومة في جذب رؤوس الأموال الأجنبية الى العراق، إلا ان الشركات الكبرى تبحث عن لغة الأرقام وكان من الممكن ان يتضمن خطاب السيد الزيدي مؤشرات محددة عن حجم الاستثمارات المستهدفة والفرص الاستثمارية الحالية ونسب النمو المتوقعة والخطط الحكومية لتنويع الاقتصاد العراقي والقطاعات ذات الأولوية. لكن لم يشمل خطاب رئيس الحكومة اياً من ذلك، بل اكتفى بإظهار النوايا الحسنة وابداء الرغبة في التعاون وطرح التسهيلات وهي أمور غير كافية لتلك الشركات خاصة وان من بينهم ممن حضر اللقاء تدير اعمالاً تتجاوز إيراداتها السنوية حجم الاقتصاد العراقي نفسه مثل شركتي شيفرون واكسون-موبيل اللذان تتجاوز إيرادات كل منهما السنوية حاجز ال250 مليار دولار. 

   ولا تنحصر القضية في الخطاب ومضمونه، بل تمتد الى البيئة الاستثمارية في العراق. ففي حين تعلن الحكومة العراقية بلسان رئيسها عن استثناءات من البيروقراطية والإجراءات الحكومية المعقدة فهي تعترف صراحةً بالتعقيدات الإدارية التي تعرقل أي عملية استثمارية حقيقية في البلاد، تلك التعقيدات التي تستوجب مسارات استثنائية منحها السيد الزيدي للشركات الامريكية، في الوقت الذي كان على الحكومة ان تطرح خطة لمعالجة الاختلالات البنيوية والبيروقراطية الحكومية المعقدة من أساسها. فالاستثمار المستدام لا يبنى بالاستثناء بل يبنى عن طريق منظومة متكاملة تشمل مؤسسات كفؤة وقوانين مستقرة وإجراءات شفافة وواضحة وبيئة امنية وسياسية مستقرة، فالاستثناءات تتغير بتغير المزاجية او قد تلغى مع انتهاء عمر الحكومة أي خلال ثلاث سنوات، واغلب مشاريع البنى التحتية او مشاريع الطاقة الكبرى تحتاج ضعف هذه المدة لإنجازها. وهنا تظهر الحاجة الملحة لإعادة النظر في المنظومة الاستثمارية والاقتصادية للعراق، فدور هيئة الاستثمار الوطنية ينبغي ان يتجاوز منح الاجازات بعد مسار طويل من المعاملات التي يقوم بها المستثمر فيصبح دوره هو القيادي في إدارة الاستثمار وتخطيطه بدلاً من الهيئة التي تكتفي في منح الاجازة. فالهيئة بوضعها الحالي لا تمتلك خرائط قطاعية، ولا بنوكا للأراضي، ولا قوائم بالمشاريع ذات الأولوية وتاثير تلك المشاريع إن اُنجزت على الاقتصاد الكلي والمجتمع، بينما يتحمل المستثمر إجراء المعاملات الحكومية والبحث عن الأرض التي يقام عليها المشروع واستحصالها، واختيار نوع المشروع وحجمه، فأصبحت الهيئة موجهة من قبل المستثمر لا موجِهاً له نحو أولوياتها الاقتصادية، فالاقتصاد لا ينبغي ان يُقاد وفق تفضيلات المستثمرين بل وفق رؤية الدولة للتنمية واولوياتها. وبسبب هذه الفجوة يتجه الاستثمار الحالي نحو المشاريع ذات العائد الأسرع والمخاطر الأقل، مثل القطاع العقاري السكني والتجاري ومراكز التسوق في حين يحتاج العراق الى مشاريع زراعية وصناعية وتكنلوجيا وفي قطاع الطاقة والصناعات التحويلية التي يغيب عنها المستثمرين بسبب ارتفاع المخاطر التي تسببها غياب السياسة الاستثمارية والاقتصادية الواضحة للدولة وعدم وجود نموذج تنموي مستدام، فالدولة حاليا غير قادرة على توجيه رؤوس الأموال نحو القطاعات التي تعالج الاختلالات في هيكل الاقتصاد العراقي وصنع اثر على الجانب الاجتماعي فضلاً عن الجانب الاقتصادي.

   وفي الخطاب نفسه، ركز السيد الزيدي على مبدأ الشراكة بوصفها إطاراً للتعاون الاقتصادي بين الدولة العراقية والشركات الامريكية، ولا شك ان الشراكة هي أداة مهمة في كثير من المشاريع التي تحتاج الى إدارة مستمرة، او تحتاج الى نقل تكنلوجيا متطورة، او تلك التي تحتاج الى ضخ رأس مال كبير، لكنها ليست الأداة الوحيدة المتاحة ولا ينبغي لها ان تكون. فالاقتصادات الحديثة تستخدم أدوات متعددة مثل عقود المقاولة التي رفضها السيد الزيدي في خطابه، وعقود الانشاء والهندسة والتوريدات، وعقود الصيانة والتشغيل، في حين اعتبر السيد الزيدي عقود الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص الخيار الوحيد، في حين ان اختيار صيغة التعاقد المناسبة ينبغي ان تستند الى طبيعة المشروع ومستوى المخاطر وحجم رأس المال وسيادية القطاع المستهدف والقيمة المضافة التي سيحققها الشريك الأجنبي والاهم هو مدى تحقيق المصلحة العامة للداخل العراقي الذي لم يدرك بعد التحول الى الاقتصاد الرأسمالي بسبب تخبط الحكومات في القرارات الاقتصادية او بمعنى اخر لم تدركه الدولة نفسها بعد. 

   اما المستثمر العراقي فنظر الى الخطاب بعين متحيرة: لماذا للشركات الامريكية طرق مختصرة ومسارات استثنائية وانا اسير في طريق طويل من الإجراءات المعقدة ؟ لماذا يباشرون بالعمل فوراً حسب وعود السيد الزيدي بينما استغرق عاماً او عامين لاستحصال الرخصة الاستثمارية ؟ يبقى المستثمر العراقي العنصر الأساسي في أي سياسة استثمارية ناجحة، فالاقتصاد الوطني لا يبنى برأس المال الأجنبي دون ان يتكامل مع رأس المال المحلي الذي يرتبط بالسوق المحلية ارتباطا وثيقاً و يستثمر عائداته داخلياً ويخلق فرص عمل مستدامة، ويساهم في صناعة سلاسل توريد وإنتاج وطنية، لذلك فإن أي إصلاحات تستهدف البيئة الاقتصادية العراقية ينبغي لها ان تستهدف رأس المال العراقي أولاً، واذا ما نجحت الدولة في ذلك فإنها ترسل رسائل طمأنة ومؤشرات واضحة اكثر بلاغة من أي خطاب سياسي عاطفي عن جودة بيئة الاعمال في العراق. 

   وفي النهاية، فإن نجاح العراق في جذب الاستثمارات الأجنبية لن يتحقق من خلال الاجتماعات وتقديم الوعود والاستثناءات وحدها، بل من خلال بناء منظومة استثمارية حديثة تقوم على سيادة القانون واستقرار التشريعات ووضوح الرؤية الاقتصادية وكفاءة المؤسسات الرسمية والاستقرار الأمني والسياسي وتقبل المجتمع وثقافته، وبناء بيئة صالحة للمستثمر المحلي قبل الأجنبي، فالشركات العالمية قد تنجذب الى الفرص المطروحة لكنها لا تستثمر على المدى الطويل دون استقرار وشفافية محلية تجعلها قادرة على التنبؤ ودراسة الجدوى الاقتصادية وإدارة المخاطر. لذلك فان الرسالة التي يجب على العراق ان يقدمها للعالم ليست بأنه قادر على منح المعاملة الخاصة والاستثناءات، بل انه يعمل على بناء دولة حديثة لديها مؤسسات قوية وعادلة يضمن خلالها استثمارات مستدامة، وإلا لن تكن هذه اللقاءات والوعود إلا كتلك التي قامت بها الحكومات السابقة دون أثر يذكر.