عاشُورْاءُ.. السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة - قِياسُ الواقعِ
إِذا دخلتَ قريةً ورأَيت أَهلَها {لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} وفيها {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وأَنَّ نِسبةَ الجَهلِ والأُميَّةِ مُرتفِعةٌ ووجَدتَ فيها {قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} وأَنَّ الحالةَ الإِجتماعيَّةَ منَ الدَّاخلِ مصداقٌ لقَولِ الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وأَنًّ النَّاسَ فيها يغتابُ بعضهُم البَعضَ الآخر ويُنافقُ وينمُّ بعضهُم على وضدَّ البَعضِ الآخر {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} ويتآمَرُ بعضَهُم ضدَّ البَعضِ الآخر ويفضحُ بعضهُم البَعضَ الآخر ويطعنُ بعضهُم بشرفِ وعِرضِ البَعضِ الآخر إِذا اختلفُوا برأيٍ أَو رؤيةٍ مهما كانت تافِهةً! ويسرقُ بعضهُم البَعض الآخر ويبخسُ بعضهُم حقُوقَ وأَشياءَ البَعضِ الآخر، عكسَ الأَمرَ الإِلهي {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وأَنَّ الخِلافاتَ بينهُم على كُلِّ شيءٍ وفي كُلِّ شيءٍ ومشاكلهُم مُستدامةٌ ليسَ لها حلولٌ، يعيشُونَ الذُّلَّ والهوان ويتقاتلُونَ على خيراتِ البلادِ التي وهبَها الله تعالى لهُم بسببِ الحرصِ والجشَعِ وانعِدامِ العدالةِ في التَّوزيعِ {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} يقُولونَ ما لا يفعلُونَ ويفعلُونَ عكسَ ما يقولُونَ والله تعالى يقُولُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} وأَنَّ الكذِبَ فيهِم عادَةٌ والصِّدقَ غائبٌ ليسَ لهُ محلٌّ من الإِعرابِ، لم تجد النَّزاهة في مُعاشرةٍ أَو مُعاملةٍ أَو علاقةٍ وأَنَّ الخِيانةَ في قاموسهِم شطارةٌ والغُشُّ والتَّزويرُ والخِداعُ والتَّضليلُ والجهلُ والأُميَّةُ تنتشرُ بشكلٍ لافتٍ في كُلِّ مفاصلِ الحياةِ، وأَنَّ النِّفاقَ وازدواجَ الشخصيَّةَ سِمةُ أَهلِها!.
فيها صوتُ الباطلِ أَعلى من صوتِ الحقِّ والخِذلانُ سمةٌ في العلاقاتِ الإِجتماعيَّةِ وأَنَّ البَيعَ والشِّراءَ في القِيَمِ والأَخلاقِ ظاهِرةٌ تُلفِتُ النَّظرَ وأَنَّ المرأَةَ مُهانةٌ والطِّفلُ مقمُوعٌ ممنوعٌ عليهِ أَن يُعرِّفَ عن نفسهِ أَو يُعبِّرَ عن رأيهِ وأَنَّ حقوقَ الضُّعفاء مسحُوقةٌ وواجِباتهُم مُتضخِّمةٌ وأَنَّ المسؤُولَ فيهِم معبودٌ يتمتَّعُ بحقُوقِ غَيرهِ التي اغتصبها بعُنوانِ [مجهُول المالك] أَمَّا واجِباتهُ فحوَّلَ مسؤُوليَّةَ تحمُّلِها لأَصحابِ الظُّهورِ الضَّعيفةِ! والعالِمُ منبوذٌ والخبيرُ مركُونٌ والزَّعيمُ كَذوبٌ والمُغفَّلونَ يصفِّقونَ ويهتِفونَ لهُ [علي وياك علي] [بالرُّوح بالدَّم نفديكَ يا هو الكان].
{اتَّخذوا عبادَ اللهِ خَوَلًا ومالَ اللهِ دُوَلًا و كتابَ اللهِ دَغَلًا} كما في حديثِ رسولِ الله (ص) وهم {الصُّمِّ الأَسْمَاعِ الْكُمْهُ الأَبْصَارِ الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ويُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ويَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ ويَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ ولَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلَّا عَامِلُه ولَا يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلَّا فَاعِلُه} كما يصفُ أَمِيرُ المُومنِينَ (ع قَوماً وقد {أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ ورَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ وعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ وقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ وصَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبُعِ الْعَقُورِ وهَدَرَ فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ وتَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ وتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ وتَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ وتَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً والْمَطَرُ قَيْظاً وتَفِيضُ اللِّئَامُ فَيْضاً وتَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً وكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً وسَلَاطِينُهُ سِبَاعاً وأَوْسَاطُه أُكَّالًا وفُقَرَاؤُه أَمْوَاتاً وغَارَ الصِّدْقُ وفَاضَ الْكَذِبُ واسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ وتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ وصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً والْعَفَافُ عَجَباً ولُبِسَ الإِسْلَامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً} كما في وصفِ أَميرِ المُؤمنينَ (ع).
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} كما يصفهُم تعالى في مُحكمِ كتابهِ الكريمِ من {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}.
وفي الأَثناءِ رأَيتَ لافتتةً عريضةً مرفوعةً وسطَ أَحدِ شوارعِ القريةِ مكتوبٌ عليها [حبُّ الحُسين يجمعُنا] وأُخرى مكتوبٌ عليها [هَيهات منَّا الذِّلَّة] ثمَّ تسمعُ المارَّةَ يصِفُونَ أَنفُسهُم يقولُونَ أَنَّ أَهلَ هذهِ القربةِ [يتشيَّعُونَ] لعليٍّ والحُسين (ع) وأَنَّ نمُوذجهُم في الحياةِ [عاشُوراء] وقِيمَها وأَخلاقَها! وفي طريقكَ تسمعُ خطيباً يصيحُ من على المِنبرِ على لسانِ أَهلِ القريةِ [ونُصرتي لكُم مُعدَّة] عندها فقط ستتأَكد بأَنَّ القَريةَ تكذِبُ وتضحكُ على نفسِها وأَنَّ أَهلها يُتاجرُونَ بالمُقدَّسِ ولا يعترفُونَ بشيءٍ مِن عليٍّ (ع) ولا من نهجهِ وسيرتهِ وأَخلاقهِ ولم يأخذُوا من عاشوراءَ جَوهرَها ولا مِن قيمِها وشعاراتِها وأَخلاقيَّاتِ شُهدائِها شيءٌ!.
نهجُ عليٍّ (ع) لم يُنتِجُ مثلَ هذا النُّموذجِ التَّافهِ منَ القُرى أَبداً، وأَنَّ عاشوراء لا يُشرِّفها أَن تنتمي لها مثلَ هذهِ القريةِ المُتهالِكةِ بكُلِّ المعاني والمقاييسِ!.