عاشُورْاءُ.. السّنَةُ الثّالثةَ عشَرَة - ثقافةُ القطيعِ.. جَهلٌ وخُذلانٌ - الجزء الثاني

مقالات 25 July 2026
بقلم: نزار حيدر

وواصلَ الحُسينُ السِّبطِ (ع) خِطابهُ لتحطيمِ [ثقافةِ القَطيعِ] في نفُوسِهِم لتحريرِ عقُولهِم من عبُوديَّتِها مُضيفاً (ع) {أَلا وَإِنَّ هؤُلاءِ القَوْمِ قَدْ لَزِمُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ، وَتَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمنِ وَأَظْهَرُوا الفَسادَ وَعَطَّلُوا الحُدُودَ وَاسْتَأْثَرُوا بِالفَيْءِ وَأَحَلُّوا حَرامَ اللهِ وَحَرَّمُوا حَلالَهُ وَأَنا أَحَقُّ بِهذا الأَمْرِ (أَحقُّ مَن غيَّرَ)}.

  لقَد أَسقطَ الإِمامُ شرعيَّة السُّلطة ومشروعيَّة الحاكِم عندما لا يلتزِم بمعاييرِها ويخرُج عن إِلتزاماتِها ويفشَل في تحقيقِ أَهدافِها.

  وأَضافَ (ع) {تَبّاً لَكُم أيّتُها الجماعةُ وتَرَحاً أَحِينَ اسْتَصْرَختُمُونا والِهينَ فأَصْرَخناكُم مَوْجِفين سَللتُم عَلينا سَيفاً لنا في أَيْمانِكم وحَشَشْتُم علينا ناراً قْدَحْناها على عدوِّنا وعدوِّكُم فأصبحتُم إلْباً لأعدائِكُم على أوليائِكُم ويَداً عليهم لأعدائِكم بغيرِ عَدلٍ أفشَوْهُ فيكُم ولا أمَلٍ أصبحَ لكُم فيهم إلَّا الحرامَ من الدّنيا أَنَالُوْكُم وخَسِيسَ عَيْشٍ طَمِعْتُم فيهِ من غيرِ حَدَثٍ كانَ منّا ولا رأيٍ تَفيَّل لَكُم فهَلاَّ لكُمُ الوَيلاتُ إذْ كَرِهتُمونا تركْتُمونا والسيفُ مَشِيْمٌ والجأشُ طامِنٌ والرأيُ لَمَّا يُستَحْصَفْ ولكنْ أسرعتُم إليها كَطَيْرَةِ الدَّبَا وتهافتُّم عليها كتَهافُتِ الفَرَاشِ ثمَّ‏ نَقَضْتُموها فسُحقاً لكُم يا عَبيدَ الأُمَّةِ وشُذَّاذَ الأحزابِ ونَبَذَةَ الكِتابِ ومُحرِّفي الكَلِمِ ونَفْثَةَ الشيطانِ وعُصْبَةَ الآثامِ ومُطفِئي السُّننِ وقَتَلةَ أولادِ الأنبياءِ ومُبيدي عِترةِ الأوصياءِ ومُلحِقي العُهَّارِ بالنَّسَبِ ومؤذِي المؤمنينَ وصُرَّاخَ أئمّةِ المستهزئينَ (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآن عِضِينَ) (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) أنتُمُ ابنَ حَربٍ وأشياعَهُ تَعْضُدون وعنّا تخاذَلُونَ}. 

  وأَعادَ الإِمامُ إِلى الأَذهانِ، في هذا الجُزءِ، حالاتِ الإِنقلابِ التي تخلُقُ أَرضيَّتها ثقافةُ القَطيعِ!.

  وأَضافَ (ع) {أجَلْ، وَاللهِ، غَدْرٌ فيكُم قَديمٌ وَشَجَتْ عَليهِ أصولُكُم وتأزَّرَتْ عليه فروعُكم وثبتَتْ عليهِ قُلوبُكُم وغَشِيَتْ صدورُكُم فكنتُم أخبَثَ ثَمَرٍ شَجىً للناظرِ وأُكْلَةً للغاصِبِ، ألَا لعنةُ اللهِ على الناكِثينَ الذينَ ينقضُونَ الأَيْمانَ بعدَ توكيدِهَا وقد جعلتُمُ اللهَ عَليكُم كَفيلاً فأنتم، وَاللهِ، هُم}.

  وكانَ (ع) قد برَّرَ حُرمةَ مُبايعَةَ الطَّاغِيةِ يزيدٍ من قبلُ بقَولهِ للَّذي لعنهُ رسولُ الله (ع) وهوَ في صُلبِ أَبيهِ، مَروان بن الحَكَم {فإِنَّا أَهلُ بيتِ رسولِ الله الحقُّ فينا ينطِقُ على أَلسنتِنا وقد سمِعتُ جدِّي رسولَ الله (ص) يقولُ (الخِلافةُ مُحرَّمةٌ على آلِ أَبي سُفيان الطُّلقاء وأَبناء الطُّلقاء فإِذا رأَيتُم مُعاوية على مِنبري فابقرُوا بطنهُ، فوَ الله لقد رآهُ أَهل المدينةِ على منبرِ جدِّي فلَم يفعلُوا ما أُمرُوا بهِ فابتلاهُم الله بإِبنهِ يَزيد زادهُ الله في النَّارِ عذاباً}.

  ومن علاماتِ المُجتمعِ الذي تحكمهُ [ثقافةَ القطيعِ] هو أَنَّ واحداً فقَط يكفِي أَن ينبحَ بخبَرٍ كاذبٍ أَو رأيٍ أَو مقطعٍ مُلفَّقٍ أَو مُفبرَكٍ لينبحَ القطيعُ بعدهُ، وفي اللُّغةِ العربيَّةِ أَنَّ مَعنى [مُعاوِية] هوَ أَنَّ كلبةً [أُنثى] عوَت فاستعوَت فسمِّيت [مُعاوِية]. 

  وإِذا أََردتَ أَنتَ أَن لا تكونَ جُزءاً من ثقافةِ القطيعِ فتنجُو بنفسِكَ من هذهِ الظَّاهرةِ الخطيرةِ التي أَنتجَت في مُجتمعِنا مرَضَ النِّفاق والتردِّي الأَخلاقي وازدِواجِ الشخصيَّةِ وانقلابِ الحقائقِ واختلاطِ المفاهيمِ وضَياعِ بَوصلةِ الإِتِّجاهاتِ وحالةِ {عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} يلزمكَ فِهمُ ما يلي؛

  ١/ الكثرةُ لا تعني الحقيقةَ أَبداً، وأَنَّ إِنتشارَ خبرٍ ما أَو رأيٍّ أَو مَوقفٍ كالنَّارِ في الهشيمِ لا يعني أَنَّهُ صحيحٌ أَبداً، فالحقُّ والباطِلُ والصحُّ والخطأُ والنَّافِعُ والضَّارُّ لا علاقةَ لها بالكثرةِ والقلَّةِ وإِنَّما بالجَوهرِ والمُحتوى الذي يقبلهُ أَو لا يقبلهُ العَقل والمنطِق والتَّاريخ والحاضِر والواقِع.

  كذلكَ فإِنَّ تكرار الخبَر لصناعةِ رأيٍّ عامٍّ محكومٌ بثقافةِ القطيعِ لا يعني صحَّتهُ أَو دقَّتهُ أَبداً!.

  ٢/ لا عليكَ بالآخرين صدَّقُوا أَم لم يُصدِّقُوا كانُوا قطيعاً أَم لم يكونُوا المُهم أَن تكونَ أَنتَ أَنتَ، أَن تتصالحَ معَ نفسِكَ وتُرضي ضميرَكَ ولا عليكَ بالآخرينَ، فإِذا اقتنعتَ بشيءٍ ما فلا تفكِّر بعرضِ قناعاتِكَ على الآخرينَ فقد يشكِّكوكَ بها لتكونَ جُزءاً من القطيعِ فالأَغلبيَّةُ لا تريدُكَ أَن تشُذَّ عنهُم فتتميَّزَ فتفضحهُم وحُجَّتهُم لإِقناعِكَ [أَنَّ الشَّاردةَ للذِّئبِ]!.

  ٣/ لا تكتفي بالنَّظرِ والإِستماعِ وإِنَّما فكِّر وتدبَّر وتمعَّن في كُلِّ شيءٍ تسمعهُ أَو تقرأَهُ أَو تراهُ وإِذا لم يُسعفكَ الوقتُ فاضربهُ عرضَ الحائطِ ما لم تتثبَّت، على الأَقل إِحترم عقلكَ فـ {لْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} فلا تملأ عقلكَ بمُخلَّفات الآخرين كما لا تُحبُّ أَن تملأَ معدتكَ بالطَّعامِ الفاسدِ!.

  يصفُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) أَنواع الخَبر بقولهِ {إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وبَاطِلًا وصِدْقاً وكَذِباً ونَاسِخاً ومَنْسُوخاً وعَامّاً وخَاصّاً ومُحْكَماً ومُتَشَابِهاً وحِفْظاً ووَهْماً} وعليكَ أَن تتخيَّلَ حجم المسؤُوليَّة التي تقع على عواتقِنا لنُغربلَ فنطرحَ ونجمعَ ونرفُضَ ونقبلَ!.

  يقولُ (ع) {اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوه عَقْلَ رِعَايَةٍ لَا عَقْلَ رِوَايَةٍ فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ ورُعَاتَه قَلِيلٌ}.

  ٤/ لا تُحدِّث بكُلِّ ما تقرأَهُ ولا تروِّج لكُلِّ ما تراهُ ولا تنشُر كُلَّ ما تسمعهُ فقد يكونُ ضارّاً أََو ليسَ في محلِّهِ وأَميرُ المُؤمنِينَ (ع) يقُولُ {لاَ تَتَكَلَّمْ بِكُلِّ مَا تَعْلَمُ فَكَفَى بِذَلِكَ جَهْلاً}.

  إِنَّ الثَّرثرةَ دليلُ جَهلِ المرءِ فالعاقلُ لا يُدلي برأيٍ ولا ينقُل خبراً ولا يتحدَّث بحديثٍ إِلَّا بالنَّافعِ وبالدَّليلِ والمنطقِ وبما يمكنُ أَن يستوعبهُ العقلُ ولذلكَ قيلَ [حدِّثُ المرءَ بما لا يُعقَلُ فإِن صدَّقكَ فلا عقلَ لهُ].

  العاقِلُ لا يفتحُ فاهُ إِلَّا إِذا كانَ واثِقاً ممَّا سيقُولهُ أَو يُدلي بهِ.

  يصِفُ أَميرُ المُؤمِنينَ (ع) أَخٌ لهُ بالقَولِ {وكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِه صَامِتاً فَإِنْ قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ ونَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ}.

الوسوم: نزار حيدر