المنهاج الوزاري للزيدي.. عقل الدولة أم عقل المصرف؟

مقالات 13 May 2026
بقلم: د. هشام داود

ليس الهدف من هذه القراءة النيل من شخص السيد رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي، ولا تحميله منذ اللحظة الأولى أعباء الإخفاقات الطبيعية التي ترافق عادةً تكليف أي شخصية جديدة، خصوصاً في بلد معقد ومثقل بالأزمات مثل العراق. كما لا يمكن تجاهل أن الرجل انتقل، خلال فترة قصيرة جداً، من فضاء الأعمال والشبكات المالية والمصرفية إلى أكثر المواقع حساسية وخطورة في الدولة العراقية الحديثة. وربما يكون، بهذا المعنى، من أكثر رؤساء الحكومات العراقية الذين اقتيدوا “من اللامكان السياسي” إلى قمة هرم السلطة التنفيذية، ولكن أيضاً مع حجم من الدعم السياسي الداخلي والخارجي لم يحظَ به أي رئيس وزراء عراقي مكلف من أسلافه.

كما أنه من المبكر إصدار أحكام نهائية على تجربة لم تبدأ فعلياً بعد. فالحكومات لا تُقاس فقط ببياناتها التأسيسية، بل بقدرتها على تحويل النصوص إلى سياسات، والوعود إلى مؤسسات، والتوازنات إلى دولة. ومع ذلك، تبقى قراءة المنهاج الوزاري مهمة، لأنه يمثل الوثيقة الفكرية والسياسية الأولى التي تعلن من خلالها أي حكومة كيف ترى الدولة، وكيف تفهم المجتمع، وما الذي تعتبره أولوية في لحظة تاريخية معينة.

في التجارب الديمقراطية الحديثة، لا يُفترض بالمنهاج الوزاري أن يكون مجرد نص بروتوكولي للحصول على ثقة البرلمان، بل بمثابة عقد سياسي ـ إداري ـ أخلاقي بين الحكومة والدولة والمجتمع. إنه الوثيقة التي تحدد:

كيف تُفهم الأزمة؟ 
ما طبيعة الدولة؟ 
من هم الفاعلون الحقيقيون؟ 
أين تكمن مصادر الخلل؟ 
وما هي الأولويات التي تستحق المواجهة حتى لو كانت مكلفة سياسياً؟ 

في العديد من التجارب العالمية، تتحول البرامج الحكومية إلى وثائق مرجعية تُقاس الحكومات على أساسها، لأنها تتضمن:

جداول زمنية
مؤشرات قياس
أولويات دقيقة
تعريفاً واضحاً لخصوم الإصلاح والتحديث
ورؤية للدولة والمجتمع والسوق

أما في العراق، فمنذ 2003، فقد ظلت أغلب المناهج الوزارية أقرب إلى بيانات توافقية عامة، مليئة بالشعارات الفضفاضة والوعود الأخلاقية، أكثر من كونها برامج تنفيذية صارمة. ومع ذلك، كانت بعض الحكومات تعكس، ولو جزئياً، طبيعة اللحظة التاريخية التي جاءت فيها.

منهاج مصطفى الكاظمي، مثلاً، جاء في لحظة انهيار وصدمة:

احتجاجات تشرين الأطول في عمر الدولة العراقية الحديثة، الاغتيالات، الانفلات الأمني، جائحة كرونا، أزمة الشرعية، انهيار أسعار النفط، وتحدي السلاح الخارج عن الدولة. ولهذا حمل خطابه طابعاً سيادياً واضحاً، رغم الصعوبات التي أعاقت تحقيق بعض وعوده. كان جوهر مقاربته يقوم على فكرة “استعادة الدولة”، أو على الأقل إعادة ترميم هيبتها واحتكارها النسبي للعنف والقرار الأمني. ولذلك ركز على:

ضبط المنافذ
مكافحة الفساد الكبير
إعادة تعريف العلاقة مع الفصائل المسلحة
إعادة التموضع الإقليمي للعراق
ومحاولة بناء مركز قرار أمني أكثر تماسكا

أما حكومة محمد شياع السوداني

فقد نقلت مركز الثقل من “الدولة السيادية” إلى “الدولة الخدمية ـ الريعية”. كان الهم الأساسي هو امتصاص الغضب الاجتماعي عبر:

المشاريع
البنى التحتية
الطرق والجسور
الإسكان
التشغيل عبر التعيينات وتضخيم أكثر الدولة المترهلة من الاساس
وتوسيع الإنفاق العام.
افراغ خزينة الدولة وزيادة المديونية.

في هذا السياق يأتي منهاج علي الزيدي، لكنه يفعل ذلك من زاوية مختلفة نسبياً. فمنذ الصفحات الأولى للنص، يمكن ملاحظة أن واضعيه ينتمون إلى بيئة مالية ـ مصرفية أكثر مما ينتمون إلى حقل السياسة العامة أو إدارة الدولة بوصفها بنية اجتماعية ـ تاريخية معقدة وهجينة. النص قصير نسبياً، لا يتجاوز ثلاث عشرة صفحة مصفوف بحروف كبيرة، لكنه مشبع بلغة تقنية ومالية تعكس بوضوح أثر خبراء مال ومصرفيين ومقاربات حوكمة ومؤسسات دولية.

ويتجلى ذلك في التكرار الكثيف لمفردات مثل :

الامتثال المالي، الاستقرار النقدي، الحوكمة، مكافحة غسل الأموال، الانضباط المالي، المعايير الدولية، البيئة الاستثمارية، التحول الرقمي، التنسيق بين السياسة النقدية والمالية، والصناديق السيادية.

هذه اللغة ليست سلبية بحد ذاتها، قد تعكس أحيانا إدراكاً متقدماً نسبياً لأزمات القطاع المالي والمصرفي العراقي مقارنة بمناهج الحكومات السابقة التي جاءت فقيرة في هذا الجانب. كما أنها تبدو محاولة لإرسال رسائل طمأنة واضحة إلى المؤسسات المالية الأمريكية والأوروبية التي تنظر منذ سنوات إلى القطاع المصرفي العراقي بوصفه منطقة رمادية تتحرك داخلها شبكات تهريب الأموال والالتفاف على العقوبات والمصالح المرتبطة بإيران والفصائل المسلحة والجريمة المنظمة.

كما يحاول المنهاج المقترح التأكيد على “شفافية القطاع المالي والمصرفي”، بما يوحي بمحاولة تقديم صورة جديدة لرجل ارتبط اسمه سابقاً بفضاء مصرف الجنوب وما أثير حوله من جدل، باعتباره هذه المرة في موقع “المنظم” و”الرقيب” على القطاع لا مجرد فاعل داخله. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الإدراك المالي إلى العدسة الوحيدة لفهم العراق. 

فالمنهاج يتعامل مع الاقتصاد بوصفه:

إدارة نقد
وجذب استثمار
وتحسين جباية
وإصلاح مصارف
وتطوير مؤشرات مالية.

لكنه لا يتوقف بالقدر الكافي عند حقيقة أن العراق ليس مجرد اقتصاد مختل ينخره الفساد، بل مجتمع مأزوم ودولة مترهلة ومنظومة سلطة متشظية ومعقدة، تتداخل فيها:

أحزاب لا تحترم في كثير من الأحيان حدود الدستور واستقلالية المؤسسات والهيئات الرقابية، 
وفصائل مسلحة وميليشيات بات بعضها متماهياً مع الدولة ومؤسساتها، 
ومنظومات موازية لاقتسام العقود والموارد العامة، عبر شبكات ضغط وهيئات ظل تشكلت حول الاقتصاد الريعي للدولة، 
وقطاع مصرفي تعرض جزء منه لعقوبات أو قيود دولية ومحلية مرتبطة بملفات الامتثال والتحويلات المالية وغسل الأموال، وهو ملف يعرفه السيد علي الزيدي جيداً بحكم تجربته السابقة وما أثير حول بعض المصارف العراقية خلال السنوات الماضية، 
إضافة إلى التداخل المتزايد بين القرابة والسلطة السياسية، وهي ظاهرة لم تعد تقتصر على المواقع السياسية التقليدية، بل باتت تمتد إلى قطاعات واسعة من الإدارة والدولة وآليات عمل الفضاء الاقتصادي، وحتى إلى بنية قيادة وإدارة بعض الفصائل المسلحة وتوزيع النفوذ والموارد. ويكفي تأمل المشهد السياسي العراقي، بتعدديته المناطقية والإثنية والدينية والعشائرية، لملاحظة أن نواة القرار السياسي والمالي أصبحت، إلى حد كبير، مشبعة بالعلاقات والشبكات القرابية. وسنعود لاحقاً إلى هذه الإشكالية المحورية لفهم جانب مهم من آليات اشتغال البنية السياسية العراقية، من خلال دراسة نموذج محمد شياع السوداني ومكتبه في رئاسة الوزراء، بالمقارنة مع نماذج سابقة ولاحقة، بوصفها مسألة أنثروبولوجية وسياسية في آن واحد، تستثمر في أنماط عمل البيوتات والشبكات القرابية ذات الامتدادات الاقتصادية والدينية والاجتماعية، وتعيد في الوقت نفسه إنتاج جزء أساسي من بنية الفضاء السياسي العراقي وآليات اشتغاله الداخلية.
إلى جانب المحاصصة الزبائنية التي باتت تتحكم بجزء كبير من آليات التوظيف والتعيين وتوزيع الموارد، 
واقتصاد غير رسمي واسع، يتحرك في مساحات خارجة جزئياً عن رقابة الدولة ومؤسساتها الشرعية، 
وسلاح منفلت لا يقتصر على الفصائل المسلحة وحدها، بل يمتد أيضاً إلى شبكات عشائرية وعصابات وجماعات محلية متعددة، 
فضلاً عن توازنات إقليمية ودولية متشابكة، لم يعد العراق فيها فاعلاً محايداً بالكامل، بل ساحة متأثرة بصورة مباشرة بصراعات المنطقة ومحاورها.

هنا يظهر الفارق الجوهري بين الاقتصاد المالي والاقتصاد السياسي.

فالمنهاج المقترح يعرف الكثير عن الأول، لكنه يظهر محدود الإدراك للثاني. لا يسأل مثلاً:

من يسيطر فعلياً على الاقتصاد العراقي؟ 
كيف يتم مكافحة الفقر ؟ 
كيف يُعاد إنتاج الريع؟ 
كيف تتحول الدولة نفسها إلى وسيط توزيع بين شبكات القوة ؟ 
كيف يعمل الاقتصاد الميليشياوي والموازي؟ 
لماذا يفشل العراق في بناء قطاع خاص مستقل؟ 
وما أثر المحاصصة والزبائنية على بنية السوق والدولة معاً ؟ 

لهذا يبدو النص، في كثير من مقاطعه، أقرب إلى منهاج “شركة قابضة” تسعى لتحسين الإدارة والكفاءة والربحية، أكثر منه مشروع دولة تواجه:

ملايين الفقراء، 
ملايين الأرامل، 
بطالة شبابية هائلة، 
جهازاً بيروقراطياً متضخماً، 
اقتصاداً ريعياً هشاً، 
انهيار الثقة بالمؤسسات، 
تعليمًا متراجعاً، 
بنية تحتية متهالكة، 
ومدناً تعيش على اقتصاد غير رسمي واسع. 

حتى حين يتحدث المنهاج عن الإصلاح، فإنه يذهب مباشرة نحو:

الرقمنة، والحوكمة، والأتمتة،وتقليص البيروقراطية. لكن من دون التوقف جدياً عند السؤال الأعمق: من الذي يملك القدرة على تعطيل الدولة العراقية أصلاً؟

ومن الذي يستفيد من بقائها بهذا الشكل؟

الأمر نفسه ينسحب على ملف السلاح والفصائل المسلحة. صحيح أن المنهاج يتحدث عن “حصر السلاح بيد الدولة”، لكنه يفعل ذلك بصيغة عامة ومقتضبة، ثم يعود حالا إلى الحديث عن تطوير قدرات الحشد الشعبي وتنظيمه داخل المنظومة الأمنية، من دون الاقتراب فعلياً من الاقتصاد السياسي للسلاح وشبكات النفوذ التي تربط: الفصائل المسلحة بالعقود، والمنافذ، والمصارف، وشركات الحماية، والاستيراد، والاقتصاد الموازي. 

وفي ملف النفط والطاقة، توجد بالفعل بعض النقاط المتقدمة نسبياً، خصوصاً في الربط بين:

الغاز
والتكرير
والبتروكيماويات
وسلاسل القيمة الصناعية.

لكن حتى هنا، لا نجد تصوراً لتحويل العراق من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي فعلي، بل إدارة أكثر كفاءة للريع نفسه. أما الكهرباء، فالطرح يبدو تقنياً أكثر من الحكومات السابقة، لكنه لا يلامس البنية السياسية للفساد داخل هذا القطاع، وكأن أزمة الكهرباء مجرد خلل إداري أو هندسي، لا منظومة مصالح مترسخة منذ عقدين.

كما أن المنهاج المقترح، رغم لغته التي يحاول ان يظهر من خلالها حداثويا، يكاد يخلو من:

الجداول الزمنية الدقيقة، 
مؤشرات القياس، 
وآليات التنفيذ الملزمة. 

وهذا يعيد إنتاج المعضلة العراقية التقليدية : المنهاج بوصفه وثيقة نوايا عامة، لا عقد تنفيذ صارم. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن النص يحمل بعض مؤشرات التحول في نظرة الدولة العراقية إلى ذاتها، خصوصاً في ما يتعلق:

بالقطاع المالي
والاقتصاد الرقمي
والاستثمار
والانفتاح العربي
والعلاقة مع الولايات المتحدة
وربط الاقتصاد العراقي بالمنظومات الإقليمية والدولية. 

لكن كل ذلك يبقى محدود الأثر ما لم يُربط بفهم أعمق لطبيعة المجتمع العراقي نفسه، ولأزمة الدولة بوصفها أزمة سلطة وعنف وتمثيل وثقة وعدالة اجتماعية، لا مجرد أزمة حوكمة أو ضعف إدارة.

في النهاية، يمكن القول إن المنهاج الوزاري المقترح للسيد علي الزيدي يعكس ذهنية “إدارة الاستقرار المالي” أكثر مما يعكس مشروع “إعادة تأسيس الدولة”. وهو بهذا المعنى يشبه إلى حد بعيد الصورة التي يُقدَّم بها الرجل نفسه:

رجل شبكات مالية وتسويات وعلاقات، أكثر منه صاحب مشروع سياسي أو تاريخي كبير.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام حكومته لن يكون في كتابة لغة حديثة عن الحوكمة والاستثمار، بل في الإجابة عن السؤال العراقي الأكثر صعوبة منذ 2003:

كيف يمكن بناء دولة فعلية داخل نظام لم يحسم بعد إن كان يريد أن يكون دولة، أم مجرد شبكة توازنات مفتوحة بين المال والسلاح والسلطة والقرابة والمصالح الإقليمية؟

الوسوم: هشام داود