RSS
2026-10-21 12:58:55

ابحث في الموقع

الأمن القانوني.. عندما يصبح التعديل التشريعي مصدراً لعدم الاستقرار

الأمن القانوني.. عندما يصبح التعديل التشريعي مصدراً لعدم الاستقرار
بقلم: القاضي حاتم جبار عودة الغريري

ليس كل تغيير في القانون إصلاحًا، كما أن استقرار القانون لا يعني الجمود. وبين هذين المفهومين تبرز قيمة الأمن القانوني بوصفها ضمانة أساسية لثقة الأفراد بالقانون واستقرار معاملاتهم ومراكزهم القانونية.

فالمجتمع يحتاج إلى تشريعات تتطور مع حاجاته، لكن هذا التطور يفترض أن يكون مدروسًا ومتدرجًا ومنسجمًا مع المنظومة القانونية القائمة. أما التعديلات المتلاحقة التي لا تسبقها دراسة كافية، أو التي تعالج مشكلة محددة دون النظر إلى آثارها في النصوص الأخرى، فقد تؤدي إلى نتيجة معاكسة للهدف الذي وضعت من أجله.

وتبدأ المشكلة عندما يصبح النص القانوني في حالة تعديل مستمر؛ فيتغير الحكم قبل أن يستقر تطبيقه، أو تتعدد القوانين المنظمة للمسألة الواحدة، أو تتعارض النصوص الجديدة مع أحكام قائمة، فيجد المواطن ورجل القانون والقضاء أنفسهم أمام سؤال لا يتعلق فقط بمضمون الحق، وإنما بتحديد أي نص هو الواجب التطبيق أصلًا.

وهنا لا يعود أثر اضطراب التشريع محصورًا في الجانب النظري، بل يمتد إلى المعاملات اليومية والعقود والحقوق والالتزامات. فالشخص عندما يدخل في معاملة أو يرتب مركزًا قانونيًا معينًا إنما يفعل ذلك على أساس القواعد النافذة في حينه، ومن ثم فإن التغيير المفاجئ أو المتكرر قد يربك حساباته ويضعف الثقة بإمكانية الاعتماد على القانون.

وتزداد المسألة تعقيدًا عندما لا تحدد التشريعات المعدلة بصورة دقيقة حدود سريانها الزمني وأثرها في المراكز السابقة، أو عندما تغيب الأحكام الانتقالية التي تبيّن كيفية الانتقال من النظام القانوني القديم إلى الجديد. فوضوح النص لا يكتمل ببيان الحكم الموضوعي وحده، وإنما يشمل أيضًا بيان متى يبدأ تطبيقه وعلى أي أوضاع يسري.

كما أن التعديلات غير المنسقة قد تنقل عبء معالجة الخلل التشريعي إلى القضاء، فيضطر القاضي إلى التوفيق بين نصوص متعارضة أو البحث عن حلول تفسيرية لتحقيق الانسجام بينها. ولا شك أن التفسير القضائي ضرورة من ضرورات تطبيق القانون، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة دائمة لإصلاح ما كان ينبغي أن يعالج في مرحلة إعداد التشريع. 

ومن هنا فإن جودة التشريع تبدأ قبل صدوره؛ بدراسة الحاجة الحقيقية إلى التعديل، ومراجعة النصوص ذات الصلة، وقياس آثاره العملية، والتأكد من انسجامه مع التشريعات النافذة، وتحديد آثاره الزمنية بوضوح. وقد يؤدي أحيانًا تعديل شامل ومدروس إلى استقرار أكبر من سلسلة طويلة من التعديلات الجزئية التي تتراكم فوق النص الأصلي وتجعله عسير الفهم والتطبيق.

ولا ينبغي كذلك أن يُنظر إلى عدد التعديلات باعتباره دليلًا على حيوية التشريع؛ فالحيوية التشريعية تقاس بقدرة القانون على الاستجابة للواقع مع المحافظة على قدر معقول من الاستقرار والوضوح. فالقانون الذي يتغير باستمرار قد يكون أقل قدرة على تحقيق الغاية التي شرّع من أجلها من قانون أكثر استقرارًا وإن كان يحتاج إلى مراجعة دورية.

إن الأمن القانوني لا يطالب المشرع بعدم التغيير، وإنما يطالبه بأن يجعل التغيير مبررًا ومفهومًا ومتوقع الأثر، وأن يوازن بين مقتضيات الإصلاح وبين حماية الثقة المشروعة واستقرار المراكز القانونية.

وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يتغير القانون، وإنما في أن يصبح التغيير ذاته مصدرًا لعدم اليقين.

فالتشريع الجيد ليس هو الأكثر تعديلًا، ولا الأكثر تفصيلًا، وإنما هو التشريع الذي يمنح المخاطبين به قاعدة واضحة يستطيعون فهمها والاعتماد عليها، ويمنح القضاء قاعدة مستقرة يستطيع تطبيقها، ويمنح المجتمع ثقة بأن تغيير القانون يتم لحاجة حقيقية، وبمنهج تشريعي يحسب آثاره قبل أن يرتبها.

وهنا يتجلى الأمن القانوني في أبسط معانيه: أن يعرف الإنسان القانون الذي يحكمه اليوم، وأن يستطيع أن يطمئن بدرجة معقولة إلى الآثار القانونية التي تترتب على تصرفه غدًا.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!