تُعد جرائم المخدرات من الجرائم التي أولتها التشريعات الجنائية عناية خاصة، لما يترتب عليها من آثار تتجاوز نطاق السلوك الفردي إلى المجتمع بأسره. ولذلك لم يقتصر التجريم على الاتجار بالمخدرات وترويجها، وإنما امتد ليشمل صورًا متعددة من السلوك المرتبط بها، ومن بينها الحيازة والإحراز والشراء متى اقترنت بقصد التعاطي والاستعمال الشخصي.
وقد اتخذ المشرع العراقي في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (50) لسنة 2017 موقفًا لافتًا عندما جمع بين مصطلحي «التعاطي» و«الاستعمال الشخصي» في سياق تحديد القصد الذي تقوم عليه صور التجريم الواردة في المادة 32 من القانون أعلاه، ويؤخذ عليه أنه لم يُعرف مصطلح التعاطي ومصطلح الاستعمال الشخصي، بينما تناول مصطلحي الاتجار والترويج بالتعريف الوارد في المادة 1 منه.
وهنا تبرز إشكالية تستحق البحث تتمثل في التساؤل عن مدى وجود تمايز حقيقي بين المصطلحين. فهل أراد المشرع العراقي من «التعاطي» و«الاستعمال الشخصي» مفهومين مختلفين، بحيث يكون لكل منهما مدلوله القانوني، أم أن العبارة لا تعدو أن تكون استخدامًا لمصطلحين متقاربين للتعبير عن غاية واحدة؟
وتزداد أهمية هذه الإشكالية عندما تنتقل من المجال النظري إلى العمل القضائي، إذ إن تحديد المقصود من «الاستعمال الشخصي» يؤثر في كيفية استظهار القصد الجنائي، وفي تكييف الواقعة، وفي الحدود التي ينبغي أن تقف عندها سلطة القاضي في تفسير النص واستخلاص القصد الجنائي.
وحيث إن التعاطي في مفهومه العام ينصرف إلى تناول المادة المخدرة أو إدخالها إلى جسم الإنسان بقصد إحداث أثرها المخدر أو المؤثر في الإدراك أو الوعي، أي إن التعاطي يرتبط أساسًا بسلوك مادي يتحقق من خلال استعمال المادة المخدرة استعمالًا فعليًا وهذا يميزه عن مجرد الحيازة. فقد يحوز الشخص مادة مخدرة دون أن يكون قد تعاطاها، كما قد يكون قد تعاطاها سابقًا دون أن تكون المادة بحوزته وقت ضبطه.
عليه فإن التعاطي يمثل واقعة مادية يمكن إثباتها بوسائل الإثبات المختلفة، بينما يمثل قصد التعاطي اتجاهًا إراديًا نحو استعمال المادة المخدرة.
أما مفهوم الاستعمال الشخصي فإنه أوسع من مفهوم التعاطي من حيث ارتباطه بالغاية التي تتجه إليها إرادة الحائز.
فالاستعمال الشخصي يعني، في جوهره، أن تكون المادة المخدرة مخصصة لاستهلاك الشخص نفسه وليس لبيعها أو ترويجها أو توزيعها أو تسليمها إلى الغير.
وبذلك يمكن أن توجد حيازة بقصد الاستعمال الشخصي دون أن يكون التعاطي قد تحقق لحظة الضبط. فالشخص الذي يشتري مادة مخدرة بقصد تعاطيها في وقت لاحق لم يبدأ بعد في فعل التعاطي، إلا أن القصد الذي اتجهت إليه إرادته هو استعمالها شخصيًا، وهنا يظهر الفرق بين التعاطي باعتباره فعلًا ماديًا والاستعمال الشخصي باعتباره غاية أو مقصدًا تتجه إليه الإرادة.
إن موقف التشريع العراقي من قصد التعاطي والاستعمال الشخصي يثير سؤالًا حول دلالة العطف بين المصطلحين.
فالأصل في الصياغة التشريعية أن لكل لفظ مدلولًا، وأن المشرع لا يستخدم عبارتين مختلفتين دون مقتضى تشريعي غير أن هذا الأصل لا يعني بالضرورة أن كل لفظين معطوفين يمثلان حكمين مستقلين، فقد يستخدم المشرع ألفاظًا متقاربة لتوكيد المعنى ومنع الالتباس، ولفظا التعاطي والاستعمال الشخصي في المادة 32 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية النافذ لا يقوم على مجرد الاختلاف اللغوي بين المصطلحين وإنما على قراءة النص في سياقه الكامل، وعلى تحديد الأفعال التي رتب عليها المشرع التجريم. فالحيازة بقصد الاستعمال الشخصي وفق النص أعلاه تشير إلى أن الحيازة قد تكون سابقة على التعاطي.
فإذا حاز الشخص المادة المخدرة وكان قصده استعمالها بنفسه، فإن اتجاه الإرادة إلى الاستعمال يكون قد تحقق، حتى لو لم يباشر التعاطي بعد، وهذا يترتب عليه أن إثبات الجريمة لا يتوقف بالضرورة على ضبط المتهم أثناء تعاطيه للمادة، وهنا يظهر دور القاضي في استظهار القصد الجنائي. ولهذا فإن القاضي لا يستطيع أن يكتفي بثبوت وجود المادة المخدرة بحوزة المتهم، وإنما عليه أن يبحث في الغرض من الحيازة، ومن هنا فإن التمييز بين التعاطي والاستعمال الشخصي يجعل مهمة القاضي أكثر دقة، إذ يتعين عليه أن يحدد ما إذا كانت الأدلة تثبت مجرد الحيازة، أم تثبت أيضًا أن الحيازة كانت موجهة إلى الاستعمال الشخصي. وتعد كمية المادة المضبوطة من القرائن التي قد تساعد المحكمة في استظهار القصد، إلا أنها لا ينبغي أن تتحول إلى معيار وحيد أو قاطع.
وتظهر أهمية التمييز بين المصطلحين بصورة واضحة في تسبيب الأحكام، فإذا انتهت المحكمة إلى أن الحيازة كانت بقصد الاستعمال الشخصي، فإن عليها أن تبين الأساس الذي استندت إليه في هذه النتيجة.
ولا يكفي أن يرد في الحكم وصف المادة بأنها «للاستعمال الشخصي» دون بيان القرائن التي أدت إلى هذا الاستنتاج.
ذلك أن التسبيب هو الوسيلة التي تكشف من خلالها المحكمة عن سلامة انتقالها من الوقائع المادية إلى النتيجة القانونية.
والسؤال: هل إن الجمع بين مصطلحي التعاطي والاستعمال الشخصي ضرورة تشريعية؟
والجواب إنها لا تكون ضرورة تشريعية إذا كان المقصود منهما معنى واحدًا، فالتشريع الجنائي يفترض قدرًا مرتفعًا من الدقة، لأن النص الجنائي هو أساس تحديد السلوك المجرم وتحديد المسؤولية الجزائية.
ومن ثم فإن استخدام مصطلحين متقاربين دون تحديد العلاقة بينهما قد يفتح مجالًا لاختلاف التفسير، وهذا بالنتيجة يدل على أن المشرع يقصد التمييز بين التعاطي والاستعمال الشخصي، إلا أنه كان يجب بيان هذا التمييز بصورة صريحة، لأن ذكره بالطريقة الواردة في المادة 32 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية النافذ يؤدي إلى مخاطر التوسع في مفهوم الاستعمال الشخصي بصورة غير منضبطة، وأن الإشكالية المتعلقة بعبارتي «التعاطي» و«الاستعمال الشخصي» ليست مجرد إشكالية لغوية، وإنما تمتد إلى صميم المسؤولية الجنائية لأنها تتعلق بتحديد القصد الذي رافق حيازة المادة المخدرة أو إحرازها أو شرائها، وإذا كان التعاطي يمثل في جوهره فعلًا ماديًا يتمثل في استعمال المخدر، فإن الاستعمال الشخصي يمكن النظر إليه باعتباره غاية تتجه إليها إرادة الحائز.
وعليه، فإن الحيازة بقصد الاستعمال الشخصي قد تتحقق من الناحية المنطقية والقانونية قبل تحقق التعاطي الفعلي.
غير أن هذا التمييز لا يعني أن كل حيازة لمخدر تعد حيازة للاستعمال الشخصي، إذ يتعين على المحكمة استظهار القصد من ظروف الدعوى وأدلتها، مع عدم الركون إلى معيار منفرد ككمية المادة وحدها أو مجرد اعتراف المتهم بالتعاطي.
كما أن عدم وضوح الحدود الاصطلاحية بين التعاطي والاستعمال الشخصي يفرض على القضاء مسؤولية أكبر في تسبيب الأحكام، حتى لا يتحول التفسير القضائي إلى مصدر لإنشاء معيار جديد للتجريم.
عليه فإن التعاطي والاستعمال الشخصي مفهومان متداخلان، لكن يمكن التمييز بينهما من الناحية القانونية باعتبار الأول فعلًا والثاني غاية أو قصدًا.
لا يشترط تحقق التعاطي فعليًا في كل حالة حتى يمكن تصور الحيازة بقصد الاستعمال الشخصي.
وكان على المشرع إدراج تعريف لمصطلحي التعاطي والاستعمال الشخصي لتوضيح العلاقة التشريعية بينهما منعًا لاختلاف التفسير، أو وضع معايير أكثر وضوحًا لاستظهار قصد الاستعمال الشخصي، مع ترك سلطة تقدير الأدلة للقاضي، وإن وضوح التشريع يؤدي إلى تحقيق التوازن بين غاية التشريع في مكافحة المخدرات وبين غايته في ضمان عدم التوسع في التجريم على أساس قرائن غير حاسمة.
وبذلك فإن جوهر المشكلة لا يكمن في السؤال عما إذا كان «التعاطي» و«الاستعمال الشخصي» مترادفين فحسب، وإنما في الأثر الذي يترتب على اعتبارهما كذلك. فإذا كان الاستعمال الشخصي مجرد تأكيد للتعاطي، فإن الصياغة التشريعية تحتاج إلى تبرير واضح أما إذا كان الاستعمال الشخصي مفهومًا أوسع، فإن تحديد حدوده يصبح ضرورة لضمان دقة التجريم.
ومن هنا فإن الدور القضائي لا ينبغي أن يكون إنشاء مفهوم الاستعمال الشخصي، وإنما استظهار هذا المفهوم من النص ومن أدلة الدعوى في حدود مبدأ الشرعية الجنائية لأن حماية المجتمع من المخدرات لا تتعارض مع ضرورة أن يكون التجريم واضحًا.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!