ثمة مفارقة تستحق التأمل في المشهد العراقي، فالدولة التي تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، والتي تدفقت إلى خزائنها خلال العقود الماضية مئات المليارات من الدولارات، تجد نفسها أمام أزمة مالية تدفع حكومتها إلى المفاضلة بين الادخار الإجباري، وتأخير الرواتب، والاقتراض، قبل أن تتجه إلى تغيير سعر صرف الدينار بوصفه مخرجاً من هذه الخيارات الصعبة.
ليست المفارقة في أن تواجه دولة نفطية أزمة مالية، فالثروة الطبيعية لا تمنح حصانة ضد الاختلالات الاقتصادية، وتقلبات الأسواق، والأزمات الإقليمية والدولية. وإنما تكمن المفارقة في أن تتحول هذه الأزمات، مرة بعد أخرى، إلى أعباء يتحملها المواطن، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بكفاءة إدارة الموارد، وأولويات الإنفاق، والامتيازات السياسية، ومصادر الهدر، معلقة بلا إجابات حاسمة.
لقد كشفت تصريحات رئيس الوزراء علي الزيدي، بشأن أزمة الرواتب وتغيير سعر الصرف والديون العامة، عن إشكالية تتجاوز حدود القرار النقدي نفسه، لتضعنا أمام سؤال جوهري: هل تعاني الدولة العراقية نقصاً في الموارد، أم اختلالاً في إدارتها، أم أن بنية النظام السياسي أصبحت عائقاً أمام إصلاحها؟ والأرجح أن الأزمة نتاج تفاعل هذه العوامل، لكن الاعتراف بتعقيدها لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء أصحاب القرار من مسؤولياتهم.
الخيارات الثلاثة.. والسؤال الغائب
حين يضع رئيس الوزراء أمام المواطنين ثلاثة خيارات لمعالجة أزمة الرواتب، تتمثل في الادخار الإجباري، أو صرف الرواتب كل خمسة وأربعين يوماً، أو الاقتراض، فإنه يقدم صورة قاتمة عن الوضع المالي للدولة. غير أن هذه الصورة، مهما بلغت دقتها، لا تكفي لتفسير كيفية الوصول إليها.
فالادخار الإجباري يعني عملياً اقتطاع جزء من الدخل المتاح للمواطن، وتأخير الرواتب يعني نقل أزمة السيولة من خزينة الدولة إلى ميزانية الأسرة، أما الاقتراض فيعني تحميل الموازنات المقبلة التزامات إضافية، قد تتضاعف كلفتها بفعل الفوائد وخدمة الدين.
لكن أين الخيارات المتعلقة بإصلاح الإنفاق العام؟ وأين مراجعة الامتيازات غير المبررة؟ وأين مكافحة التهرب الضريبي والجمركي؟ وأين إصلاح المؤسسات العامة الخاسرة، واسترداد الأموال التي ثبت الاستيلاء عليها خلافاً للقانون؟ إن الاقتصار على الخيارات الثلاثة يوحي بأن المشكلة تنحصر في كيفية توفير الأموال اللازمة لاستمرار الإنفاق، لا في مساءلة طبيعة هذا الإنفاق وجدواه.
وهنا ينبغي التمييز بين إجراءات الطوارئ التي قد تفرضها أزمة سيولة عاجلة، والإصلاحات البنيوية التي تمنع تكرار الأزمة. فبعض الإجراءات الإصلاحية يحتاج إلى وقت، ولا يستطيع بالضرورة تأمين رواتب الشهر المقبل، لكنه يبقى شرطاً ضرورياً لضمان ألا تواجه الدولة المأزق نفسه بعد أشهر أو سنوات. إن إدارة الأزمة لا تعني فقط اختيار الأقل ضرراً بين بدائل قاسية، وإنما تعني أيضاً امتلاك الشجاعة لتغيير الظروف التي جعلت تلك البدائل تبدو حتمية.
سعر الصرف.. من يدفع الفاتورة؟
لعل أكثر ما يستدعي المناقشة في تصريحات رئيس الوزراء تأكيده أن الفارق الناجم عن تغيير سعر الصرف يُستحصل من المضاربين في سوق العملة، وليس من جيوب المواطنين. إن هذا التفسير، وإن كان ينطلق من محاولة تبرير القرار، لا يقدم صورة مكتملة عن آثاره الاقتصادية والاجتماعية. فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ولذلك فإن ارتفاع سعر الدولار بالدينار يرفع الكلفة المحلية للسلع المستوردة، ما لم تمتص الأسواق أو السياسات الاقتصادية جزءاً من تلك الزيادة.
وعندما ترتفع أسعار السلع والخدمات، بينما تبقى الرواتب والأجور والتقاعديات ثابتة، فإن النتيجة المحتملة هي تراجع القوة الشرائية للمواطن، حتى لو لم يُقتطع دينار واحد من راتبه الاسمي. وهنا تكمن إحدى أخطر صور نقل أعباء الأزمة إلى المجتمع: أن يحتفظ المواطن براتبه كاملاً من حيث الرقم، لكنه يفقد جزءاً من قدرته على شراء احتياجاته الأساسية.
قد تحقق الخزينة العامة إيرادات دينارية إضافية عندما تُحوّل عائداتها الدولارية بسعر صرف أعلى، وقد تستفيد بعض القطاعات من تعديل السعر، لكن هذه المكاسب لا تعني تلقائياً أن المجتمع لا يتحمل كلفة القرار. فالسياسة النقدية لا تُقاس بما تضيفه إلى حسابات الخزينة وحدها، وإنما بما تحدثه من آثار في الأسعار والإنتاج والاستثمار والتوزيع الاجتماعي للدخل.
أما تصوير المعترضين على تغيير سعر الصرف بوصفهم مدافعين عن المضاربين، فإنه لا يخدم النقاش الاقتصادي الرصين. فالاعتراض على سياسة حكومية لا يعني بالضرورة الدفاع عن مصالح غير مشروعة، مثلما لا يعني تأييدها امتلاك الحقيقة الاقتصادية المطلقة.
ومن حق المواطن أن يسأل حكومته: ما مقدار الإيرادات الإضافية المتوقعة؟ وما معدل التضخم الذي قد ينجم عن القرار؟ وما التدابير التي ستُتخذ لحماية أصحاب الدخل المحدود؟ وهل سيكون الإجراء مؤقتاً أم جزءاً من سياسة نقدية طويلة الأمد؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر أهمية من التشكيك في دوافع المعترضين.
الدولة الريعية.. حين تصبح الثروة مصدر هشاشة
تكشف الأرقام الأولية المتداولة بشأن موازنة عام 2027 عن اختلالات تستحق التوقف، مع ضرورة التعامل معها بوصفها تقديرات تحتاج إلى التحقق من الوثائق الرسمية. فإذا بلغت النفقات العامة نحو 217.239 تريليون دينار، مقابل إيرادات متوقعة تبلغ 174.234 تريليون دينار، فإن العجز الحسابي يصل إلى نحو 43 تريليون دينار.
وتشير الأرقام نفسها إلى أن النفقات التشغيلية تبلغ نحو 169.342 تريليون دينار، أي ما يقارب 78% من إجمالي الإنفاق، بينما تبلغ النفقات الاستثمارية نحو 47.897 تريليون دينار. أما الإيرادات النفطية المتوقعة فتبلغ نحو 144.720 تريليون دينار، أي ما يزيد على 83% من إجمالي الإيرادات.
هذه الأرقام، إذا تأكدت، لا تعني أن الإنفاق التشغيلي كله هدر، ولا أن الرواتب والرعاية الاجتماعية تمثلان عبئاً غير مشروع على الدولة. لكنها تكشف عن نموذج مالي يعتمد بصورة واسعة على مورد نفطي متقلب، في مقابل التزامات إنفاق متكررة يصعب تعديلها بسرعة. وهنا تظهر إحدى المشكلات البنيوية للاقتصاد العراقي: فالدولة توسع التزاماتها في سنوات الوفرة، لكنها تجد صعوبة في الوفاء بها عندما تتراجع الإيرادات أو تتعطل الصادرات.
والأخطر أن الإنفاق العام، على ضخامته، لم ينجح حتى الآن في بناء قاعدة إنتاجية متنوعة تستطيع تقليل الاعتماد على النفط، وتوفير مصادر مستقرة للإيرادات وفرص العمل. إن السيادة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد امتلاك النفط، وإنما بالقدرة على تحويل عائداته إلى اقتصاد منتج، ومؤسسات كفوءة، واحتياطيات مالية تحمي المجتمع من الصدمات.
امتيازات السلطة.. هل يبدأ الإصلاح من الأعلى؟
في خضم النقاش بشأن البدائل، طرح الكاتب فلاح المشعل مجموعة من المقترحات تتعلق بمراجعة تعدد الرواتب، والامتيازات الممنوحة للمسؤولين، ونفقات الحمايات والإيفادات، وبعض الاستحقاقات التعويضية، فضلاً عن استرداد الأموال العامة. وتكتسب هذه المقترحات أهميتها من أنها توجه الاهتمام نحو المجالات التي ينبغي إخضاعها للتدقيق والمراجعة، قبل مطالبة أصحاب الدخل المحدود بتحمل أعباء إضافية.
لكن الإصلاح الجاد لا يقوم على التعميم أو إلغاء الحقوق المكتسبة بصورة اعتباطية، إذ يجب التمييز بين الاستحقاقات القانونية المشروعة، وحالات الجمع غير القانوني بين الرواتب، والتزوير، والامتيازات التي تفتقر إلى مبرر اقتصادي أو اجتماعي. كما ينبغي ألا نبالغ في تقدير الوفورات الممكنة من تقليص نفقات المسؤولين وحدها، قبل معرفة حجمها الفعلي قياساً إلى العجز العام. ومع ذلك، فإن لهذا الإصلاح أهمية سياسية وأخلاقية تتجاوز قيمته المالية المباشرة.
فكيف يمكن إقناع المواطن بضرورة التقشف، إذا لم يرَ أن مؤسسات السلطة قد بدأت بنفسها؟ وكيف يمكن مطالبة الموظف والمتقاعد بتحمل ارتفاع الأسعار، فيما تبقى النفقات غير الضرورية والامتيازات غير المبررة بمنأى عن المراجعة؟ إن العدالة في توزيع أعباء الأزمة شرط من شروط نجاح الإصلاح الاقتصادي واكتساب ثقة المجتمع.
الأزمة المالية أم أزمة القرار السياسي؟
يذهب الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي إلى أن الحكومة لا تواجه مجرد أزمة مالية، وإنما تعاني أيضاً قيوداً سياسية تحد من قدرتها على معالجة مصادر الهدر والترهل والفساد. وهذا الرأي يفتح باباً مهماً لفهم العلاقة بين الاقتصاد وبنية السلطة. فالموازنة العامة ليست وثيقة حسابية محايدة تماماً، وإنما تعكس خيارات سياسية واجتماعية، وتوازنات بين المؤسسات والفئات والمصالح.
وعندما تتداخل المصالح السياسية مع توزيع الموارد العامة، يصبح إصلاح الإنفاق أكثر تعقيداً من مجرد إصدار تعليمات بالتقشف أو خفض المصروفات. لكن القول إن الحكومة مقيدة سياسياً يحتاج إلى تحديد طبيعة هذه القيود، والقرارات التي حالت من دون اتخاذها، والجهات التي تتحمل مسؤولية تعطيلها.
فلا يجوز أن تتحول الإشارة إلى المنظومة السياسية إلى تفسير شامل يعفي الحكومة من مسؤوليتها المباشرة، مثلما لا يجوز تحميل رئيس الوزراء وحده جميع الاختلالات التي تراكمت عبر حكومات وموازنات متعاقبة. إن المسؤولية هنا متعددة المستويات: مسؤولية من وضع السياسات السابقة، ومن أقر الموازنات، ومن مارس الرقابة، ومن تولى التنفيذ، ومن يمتلك اليوم صلاحية التصحيح ولا يستخدمها. ومن ثم، فإن الإصلاح المالي الحقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسسات رقابية فاعلة، لا إلى شجاعة فردية وحدها، مهما بلغت أهميتها.
بين أزمة الرواتب ووعود المشاريع الكبرى
ثمة جانب آخر يستحق المساءلة في الخطاب الحكومي، يتمثل في الجمع بين التحذير من أزمة الرواتب والإعلان عن مشاريع سكنية كبرى، وتسديد مستحقات الفلاحين والمقاولين، وإنشاء مدن جديدة، وتأسيس صندوق للأجيال. ولا ينبغي افتراض أن هذه الالتزامات متعارضة بالضرورة، فبعض المشاريع قد يمول من استثمارات خاصة أو شراكات لا تعتمد مباشرة على السيولة المخصصة للرواتب.
لكن من حق المجتمع أن يعرف مصادر التمويل، والجداول الزمنية، والالتزامات التي ستتحملها الخزينة، وأولويات التنفيذ.
أما مستحقات الفلاحين والمقاولين، فهي في الأصل التزامات مترتبة على الدولة، وتسديدها يمثل وفاءً بحقوق أصحابها، لا منحة استثنائية. وفي ما يتعلق بصندوق الأجيال، فإن الفكرة تستحق الاهتمام، شريطة أن تكون له قواعد واضحة للتمويل والإدارة والاستثمار والرقابة، وأن لا يتحول إلى وعاء مالي جديد يُستخدم لتغطية النفقات الجارية.
فالدولة التي تريد حماية حقوق الأجيال المقبلة مطالبة أولاً بوضع سياسة مالية تمنع استنزاف موارد الحاضر، وتضمن تحويل جزء من الثروة النفطية إلى أصول إنتاجية ومالية مستدامة.
السيادة ليست سلطة اتخاذ القرار وحدها
في جوهر هذا النقاش تقف مسألة السيادة. فليس كافياً أن تقول الحكومة إنها اتخذت قراراً صعباً وتتحمل مسؤوليته، إذ إن تحمل المسؤولية السياسية لا يتحقق بالإعلان وحده، وإنما بتقديم المبررات والبيانات، والخضوع للمساءلة، وتحمل نتائج القرار وتصحيح آثاره إذا ثبت ضرره. والسيادة الاقتصادية لا تعني حرية السلطة في تغيير سعر الصرف أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق فحسب، بل تعني أيضاً امتلاك الدولة القدرة على حماية الاستقرار المعيشي لمواطنيها، وتقليل اعتمادها على الخارج، وإدارة ثرواتها بما يخدم المصلحة العامة.
إن الدولة القوية ليست تلك التي تستطيع نقل أعباء أزماتها إلى المجتمع، وإنما التي تمتلك مؤسسات قادرة على معالجة أسباب تلك الأزمات، وتوزيع تكاليف الإصلاح بصورة عادلة وشفافة. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان تغيير سعر الصرف أفضل من تأخير الرواتب أو الاقتراض، وإنما ما إذا كانت الحكومة قد وضعت هذا القرار ضمن برنامج إصلاح اقتصادي حقيقي، أم اكتفت بمعالجة فجوة مالية مؤقتة على حساب القوة الشرائية للمواطن.
من المسؤول.. ومن يدفع الثمن؟
لا يمكن اختزال الأزمة المالية العراقية في شخص رئيس وزراء، أو حكومة واحدة، أو قرار نقدي منفرد. فهي حصيلة تراكمات اقتصادية ومؤسسية وسياسية، تتداخل فيها هشاشة الاقتصاد الريعي مع ضعف التنويع الإنتاجي، وتضخم الالتزامات العامة، ومشكلات كفاءة الإنفاق والرقابة والمساءلة. لكن الاعتراف بالطابع التراكمي للأزمة لا يعني تذويب المسؤولية حتى تصبح بلا عنوان.
فكل حكومة مسؤولة عن قراراتها، وكل مجلس نواب مسؤول عن تشريعاته ورقابته، وكل مؤسسة رقابية مسؤولة عن أداء واجباتها، وكل جهة تمتلك سلطة التصحيح مطالبة باستخدامها وفق القانون والمصلحة العامة. أما المواطن، فلا يجوز أن يتحول إلى ممول دائم لكلفة الإخفاقات المتراكمة، من دون أن يحصل في المقابل على ضمانات حقيقية للإصلاح والاستقرار والعدالة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعراق ليس أن يواجه أزمة مالية، فالأزمات تمر بها دول كثيرة، وإنما أن تتحول الأزمة إلى حالة دائمة، وأن يصبح تحميل المجتمع تكاليفها بديلاً عن معالجة أسبابها. وعندها لن تكون المشكلة في سعر الدولار وحده، ولا في انتظام الرواتب، ولا حتى في حجم الدين العام، بل في طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
فالسيادة التي نبحث عنها ليست سيادة السلطة على موارد الدولة، وإنما سيادة الدولة بمؤسساتها وقوانينها على إدارة تلك الموارد لمصلحة المجتمع. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل قرار اقتصادي يمس حياة العراقيين: لماذا تكون الدولة قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة حين يتحمل المواطن كلفتها، بينما يبدو إصلاح الامتيازات ومصادر الهدر ومراكز النفوذ أكثر صعوبة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون البداية الحقيقية للإصلاح، والبداية الحقيقية لاستعادة السيادة أيضاً.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!