وكانت الحكومة، قد قررت الأربعاء الماضي (7 تشرين الأول 2026) رفع سعر الصرف من 1320 ديناراً مقابل الدولار إلى 1520، في خطوة أشعلت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والاقتصادية والشعبية، وتسببت بزيادة مفاجئة بأسعار السلع.
ويقول الراوي، الذي يعمل مهندساً، إن تغيّر سعر الصرف، اضطره إلى سداد الدفعات المتبقية له على سعر الصرف الجديد مما جعله يتحمل فرقاً لم يكن بالحسبان.
ويضيف: “علي دفع ثلاثة ملايين دينار إضافية على كل دفعة، مقارنةً بما كنت أدفعه، فهذا القرار زاد من الأعباء المالية علينا كمواطنين”.
ارتفاع الوحدات السكنية بنسبة 15%
ويقول المختص ببيع وشراء العقارات في بغداد ماجد محمد، إن “ارتفاع سعر الصرف انعكس سلباً على سوق العقار، وأدى إلى حالة ركود بالإضافة إلى التسبب بضرر مباشر التمسه المواطنون فوراً”.
ويوضح، أن “التأثير الأكبر يظهر في أقساط الوحدات السكنية التي تُسعّر بالدولار وتُدفع بالدينار، إذ يؤدي ارتفاع سعر الصرف إلى زيادة قيمة القسط بأكثر من 15 بالمئة، فإذا كان القسط الشهري 1000 دولار، فإنه سيحمل المواطن المستفيد ما لا يقل عن 200 ألف دينار إضافية، وهذا سيدفع بعض المشترين إلى طلب إعادة جدولة الأقساط أو تمديد فترات السداد أو التفاوض مع الشركات العقارية بشأن آلية احتساب الأقساط”.
وينوه محمد إلى أن “التغيير بسعر الصرف دفع عدداً من المتعاملين إلى التريث في إتمام صفقات البيع والشراء، لأن حالة عدم الاستقرار تجعل من الصعب على البائع والمشتري تحديد السعر النهائي للعقار، في ظل عدم وضوح مستوى سعر الصرف الذي ستُبنى عليه عملية التسعير”.
"عقاري" ومواد البناء: غلاء يسبق القرار ويضاعفه
ويلفت المختص في بيع وشراء العقارات، إلى أن “تغير سعر الصرف جاء مكملاً لحالة الركود التي بدأت في سوق العقار، بدءاً من شهر تموز الماضي، بالتزامن مع تطبيق منصة عقاري، حيث ارتفعت أسعار مواد البناء، ولا سيما بعد قرار رفع الدعم عن المنتجات النفطية المخصصة للمعامل، إذ وصل سعر طن الإسمنت إلى نحو 260 ألف دينار، بعدما كان بحدود 150 ألف دينار تقريباً، فضلاً عن ارتفاع أسعار الطابوق بأكثر من 90 بالمئة، بعدما كان سعره بحدود 650 ألف دينار، وأصبح الآن نحو مليون و250 ألف دينار”.
وبهدف السيطرة على الأسعار، حذر البنك المركزي العراقي، يوم السبت (10 تشرين الأول 2026) كافة الشركات والتجار الذين يملكون حوالات مالية خاصة بتمويل عمليات الاستيراد مستحقة التنفيذ بالسعر السابق، إلى عدم تحميلها أي فروق مالية.
الاستيراد وارتفاع التأمين والشحن
من جهته، يقول رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة خالد الجابري، إن “قطاع البناء العراقي يعمل ضمن اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد وحتى في بعض الأحيان على استيراد العمالة نفسها، مما يجعل تغيّر سعر الصرف أكثر قابلية للانتقال إلى كلف المواد والخدمات”.
ويردف: “إذا ارتفع سعر الدولار من دون وجود قاعدة إنتاجية محلية قادرة على امتصاص الصدمة، فقد يتحمل قطاع البناء والإنشاءات جزءاً كبيراً من كلفة التغيير، قبل أن تنتقل آثاره إلى المطورين والمستهلكين والمواطنين الباحثين عن السكن”.
ويربط الجابري الزيادة الحاصلة في الأسعار، بارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين ووقود النقل والمخاطر المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، مع تغيّر سعر الصرف، مقدّراً “الكلف العالمية المرتبطة بالإنتاج والاستيراد والشحن والتأمين، بزيادة تتراوح بين 20 و25 بالمئة، بحسب مصدر الاستيراد، ونوع المادة، ومسافة النقل، وشروط التأمين، وطبيعة العقود”.
تراجع المبيعات وتباطؤ الطلب
وحول تداعيات ارتفاع الكلفة، ينبّه رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة إلى أن “ذلك قد يؤدي إلى ظهور عدة نتائج متزامنة منها تراجع المبيعات وتباطؤ الطلب، وتأجيل بعض المشاريع السكنية والاستثمارية، وانخفاض هوامش أرباح المطورين والمقاولين، فضلاً عن توجه الأسر إلى وحدات أصغر أو مناطق أقل كلفة، وزيادة الضغوط على سوق الإيجارات إذا ارتفعت كلفة إنشاء الوحدات السكنية أو صيانتها”.
ولاستيعاب هذا المتغير، يشدد الجابري، على ضرورة “مراقبة أسعار مواد البناء وتكاليف الاستيراد والشحن والتأمين، مع التمييز بين الزيادات الناتجة عن سعر الصرف، وتلك المرتبطة بالعوامل العالمية أو المحلية، مع دعم التصنيع المحلي لمواد البناء، وتطوير سلاسل التوريد، وتحسين البيئة الاستثمارية، وتسهيل تمويل المشاريع السكنية والإنتاجية”.
وبرّر رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، أمام مجلس النواب، مساء الخميس (8 تشرين الأول 2026)، الضرورات الخاصة التي قادت إلى إجراء تغيير سعر صرف الدولار، بتوقف تصدير النفط عبر مضيق هرمز، وارتفاع حجم الدين العام لأكثر من 208 تريليون دينار، مع ضرورة توفير 10 تريليونات دينار شهرياً لدفعها كرواتب ومستحقات، وأن الحكومة كانت أمام ثلاثة خيارات، إما الذهاب للادّخار الإجباري، أو توزيع الرواتب كل 45 يوماً، أو الاقتراض وإغراق البلد بالديون.
وزير المالية فالح ساري، قال هو الآخر، أمام مجلس النواب، بأن “الحكومة اتخذت جملة من الإجراءات، منها تخصيص ترليون دينار من البنك المركزي لدعم قطاع السكن”.
بينما أكد عضو اللجنة المالية النيابية يوسف الكلابي، الأربعاء الماضي، في مؤتمر صحفي بمجلس النواب، أن “الحكومة أطلقت حزمة من الإجراءات لمعالجة الأزمة المالية، من بينها ضخ 100 مليون دولار في السوق”.
وبشأن تخصيص تريليون دينار لدعم قطاع السكن، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، أن “هذه الإجراءات يمكن أن تساعد في تهدئة السوق على المدى القصير، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق استقرار مستدام”.
وبشأن تخصيص تريليون دينار لدعم قطاع السكن، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، أن “هذه الإجراءات يمكن أن تساعد في تهدئة السوق على المدى القصير، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق استقرار مستدام”.
وكان رئيس الوزراء علي الزيدي، أطلق، الأحد الماضي (4 تشرين الأول 2026)، حزمة إجراءات تمويلية بقيمة 3 تريليونات و500 مليار دينار، شملت تخصيص تريليون للإسكان وآخر للصناعة، وتريليون ثالث لسداد مستحقات المقاولين والمزارعين مناصفة، إضافة إلى ضخ 500 مليار لرفع رصيد “صندوق الأجيال” إلى تريليون و500 مليار دينار.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!