RSS
2026-10-04 08:02:24

ابحث في الموقع

انطلاق العام الدراسي في العراق وسط تحديات نقص الأبنية والاكتظاظ والدوام المتعدد

انطلاق العام الدراسي في العراق وسط تحديات نقص الأبنية والاكتظاظ والدوام المتعدد
انطلقت السنة الدراسية الجديدة في العراق اليوم الأحد (4 تشرين الأول 2026)، وتوجه أكثر من 13 مليون تلميذ وتلميذة في مختلف المراحل التعليمية إلى مقاعدهم المدرسية، وسط آمال بمعالجة واقع التعليم المتردي، باعتباره أحد أكثر الملفات الخدمية حساسية.

وكان مقرراً أن تبدأ الدراسة في العشرين من أيلول الماضي، وهذا ما حدث بالفعل في مدارس إقليم كردستان العراق، بينما قررت وزارة التربية في بغداد تأخير موعد بدء الدوام الرسمي للمدارس. ومع عودة التلاميذ إلى مدارسهم، لا تزال الكثير من المشكلات الكبرى التي برزت خلال السنوات السابقة حاضرة، وفي مقدمتها النقص الكبير في أعداد الأبنية المدرسية، ما دفع آلاف المدارس إلى اعتماد نظام الدوام المزدوج، فيما تضطر مدارس أخرى، لا سيما في العاصمة بغداد، إلى العمل بثلاثة دوامات يومياً لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة.

وانعكس هذا الواقع المتردي بصورة مباشرة على البيئة التعليمية، إذ أدى اكتظاظ الصفوف إلى تقليص المساحات المتاحة لحركة الطلبة، وتضع الأعداد الكبيرة من الطلبة في الكثير من الصفوف تحديات إضافية على كاهل المعلمين في إيصال المادة العلمية، وتحقيق المستوى المطلوب من جودة التعليم.

ولا تقتصر الأزمات على نقص عدد الأبنية التعليمية، إذ تواجه المدارس القائمة مشكلات كثيرة تتعلق بتهالك العديد من الأبنية، وافتقار بعضها إلى أبسط مقومات البيئة التعليمية، من مياه صالحة للشرب، ومرافق صحية، وخدمات أساسية، إلى جانب الحاجة المستمرة إلى أعمال التأهيل والصيانة اللازمة لبقاء الأبنية صالحة لاستقبال التلاميذ، وتوفير المستلزمات الأساسية التي تضمن للطلبة بيئة آمنة وصحية، فضلاً عن أزمات متفاقمة من بينها توفير الكتب الدراسية، وتحديث المناهج.

وفي جانب آخر من العملية التعليمية، تبرز مشكلات المعلمين باعتبارهم الركيزة الأساسية في بناء الأجيال، وسط مطالبات متكررة بتوفير دعم أكبر للكوادر التربوية، لا يقتصر على الجانب المادي فقط، وإنما يشمل أيضاً الجوانب المهنية والمعنوية، بما يشمل تحسين ظروف العمل، وتوفير برامج التدريب المستمر، ورفع مستوى التأهيل والخبرات بما يتناسب مع التطورات التي يشهدها قطاع التعليم.

يقول الباحث التربوي فالح القريشي، إن "الحديث عن معالجة أزمة الأبنية المدرسية يتكرر مع بداية كل سنة دراسية، لكن ما تحقق على أرض الواقع خلال السنوات الماضية لا يزال دون مستوى الحاجة الفعلية، ولا يقارن بالزيادة المستمرة في أعداد الطلبة، والنقص الكبير في أعداد المدارس. استمرار العمل بنظام الدوامين والثلاثة دوامات في عدد من المدارس بمحافظات مختلفة، إلى جانب استمرار وجود مدارس طينية أو كرفانية، يعكس حجم الخلل في التخطيط الحكومي، ومدى الاستجابة الرسمية لاحتياجات القطاع التربوي".

ويبين القريشي أن "الاكتظاظ لا يؤثر على راحة الطلبة فقط، بل ينعكس بصورة مباشرة على جودة التعليم المقدم لهم، وعلى قدرة المعلم على إيصال المادة الدراسية بالشكل المطلوب، والأزمة لا تقتصر على ضرورة الإسراع ببناء مدارس جديدة، وإنما تشمل أيضاً ضرورة تأهيل المدارس القائمة، وتوفير المياه الصالحة للشرب، والمرافق الصحية، والخدمات الأساسية، فضلاً عن توفير الكتب الدراسية والمستلزمات التعليمية، فالبيئة المدرسية تمثل عاملاً أساسياً في نجاح العملية التربوية".

ويشدد الباحث التربوي على أن "العراق بحاجة إلى رؤية طويلة الأمد لإصلاح قطاع التعليم، تبدأ من معالجة أزمة الأبنية المدرسية، مروراً بتطوير المناهج، وتأهيل المعلمين وتحسين ظروفهم المهنية والمادية، فالاستثمار في التعليم يجب أن يكون أحد أبرز أولويات الدولة باعتباره استثماراً مباشراً في مستقبل البلاد، وعلى الجهات الحكومية وضع ملف الأبنية المدرسية على رأس أولوياتها، وتسريع مشاريع البناء، وإنهاء وجود المدارس الطينية والكرفانية، إلى جانب معالجة ظاهرة الدوام الثلاثي، بما يضمن للطلبة بيئة تعليمية آمنة، ويمنح المعلمين الظروف اللازمة لأداء مهامهم".

في السياق نفسه، كشف "مرصد إيكو عراق" المختص بالشؤون الاقتصادية أن عدد المدارس التي يرتادها التلاميذ في العراق يتجاوز 40 ألف مدرسة، لكن هذا العدد لا يزال غير كافٍ لتلبية الحاجة الفعلية، إذ إن هناك حاجة إلى نحو 8 آلاف مدرسة جديدة للتحول إلى نظام الدوام الفردي، بحيث تمتلك كل مدرسة مبنىً مستقلاً".

وأكد المرصد أن "معالجة الاكتظاظ داخل الصفوف وتحقيق بيئة تعليمية أفضل يتطلبان بناء أكثر من 10 آلاف مدرسة جديدة، خاصة أنه لا تزال هناك نحو 200 مدرسة طينية و800 مدرسة كرفانية يرتادها الطلبة في محافظتي صلاح الدين وذي قار. المحافظات والمدن الأكثر كثافة سكانية، مثل بغداد والموصل والبصرة، تعد من أكثر المناطق حاجة إلى بناء مدارس جديدة، وهناك مبادرات جدية تبديها وزارة التربية في معالجة الاكتظاظ وتحسين الأبنية المدرسية".

من جانبه، يؤكد المتحدث باسم وزارة التربية كريم السيد، أن "الوزارة تعمل على معالجة الإشكاليات التي تواجه العملية التعليمية، لا سيما ما يتعلق بنقص الأبنية المدرسية، والاكتظاظ، والدوام المزدوج والثلاثي، والسنة الدراسية الحالية ستشهد خطوات عملية من شأنها تخفيف هذه التحديات مقارنة بالأعوام السابقة".

ويضيف السيد أن "وزارة التربية تعمل على وضع حلول واقعية للإشكاليات التي تواجه المدارس والطلبة، وهناك إجراءات ومشاريع دخلت مراحل متقدمة ستنعكس بصورة مباشرة على واقع الأبنية المدرسية خلال السنة الدراسية الحالية"، مبيناً، ان "نحو 1700 مدرسة دخلت الخدمة ضمن مشروع المدارس المتفق عليه مع الجانب الصيني، إلى جانب نحو 700 مدرسة أخرى يجرى إنجازها ضمن مشاريع متفرقة في عدد من المحافظات، ودخول هذه المدارس إلى الخدمة سيسهم في زيادة الطاقة الاستيعابية، وتقليل الضغط عن المدارس التي تعاني من الاكتظاظ".

ويشدد على أن "الوزارة تنظر إلى ملف الأبنية المدرسية باعتباره أحد المحاور الأساسية في معالجة واقع العملية التربوية، وافتتاح المدارس الجديدة سيساعد على تقليل الاعتماد على نظام الدوام المتعدد، وتوفير بيئة تعليمية أكثر ملاءمة للطلبة والكوادر التعليمية. ولا يقتصر العمل على بناء المدارس الجديدة، إذ يشمل أيضاً تأهيل الأبنية القائمة وصيانتها، وتحسين الخدمات الأساسية داخل المدارس، ومتابعة احتياجات الطلبة من الكتب والمستلزمات الدراسية، فضلاً عن دعم الملاكات التعليمية، وتطوير قدراتها المهنية".

وأوضح السيد أن "الوزارة تدرك حجم التحديات المتراكمة في القطاع التربوي، والمشاريع الجديدة تمثل خطوة مهمة باتجاه معالجة النقص الحاصل في أعداد المدارس، والسنة الدراسية الحالية ستكون مختلفة عن السنوات السابقة من حيث حجم المشاريع التي دخلت إلى الخدمة، والإجراءات المتخذة لمعالجة الاختناقات التي تواجه المدارس. معالجة ملف التربية يحتاج إلى تضافر جهود جميع الجهات الحكومية، وتواصل وزارة التربية متابعة المشاريع لتسريع إنجازها، ما يسهم في الوصول إلى بيئة مدرسية مناسبة، وإنهاء ظواهر الاكتظاظ والدوام، والمدارس غير الملائمة".

ومع عودة التلاميذ إلى المدارس في ظل واقع تعليمي لا يزال يواجه نقصاً في الأبنية والخدمات والمستلزمات، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو تحويل المشاريع والخطط المعلنة إلى نتائج ملموسة. ويبقى السؤال: هل تنجح الإجراءات الحكومية خلال السنة الدراسية الجديدة في الانتقال بقطاع التربية من معالجة الاختناقات السنوية إلى بناء منظومة تعليمية مستقرة ومستدامة؟




المصدر: العربي الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!