حضور سلطة الدولة
ويقول الأكاديمي والباحث بالشؤون الاستراتيجية والأمنية فراس الياس، إن “انسحاب القوات التركية من قاعدة بعشيقة يمثل بالنسبة إلى أهالي الموصل حدثاً مهماً من الناحيتين السياسية والرمزية، نظراً إلى أن الوجود التركي ظل لسنوات موضع جدل مرتبط بسيادة العراق، لذلك انتقال القاعدة إلى القوات العراقية يمكن النظر إليه باعتباره خطوة تعزز حضور الدولة وسيطرتها على أراضيها”.
تعود قصة قاعدة بعشيقة، المعروفة أيضاً باسم معسكر زليكان، إلى عام 2015، حين أنشأت تركيا وجودها العسكري في الموقع الواقع بمنطقة بعشيقة، على بعد نحو 32 كيلومتراً شمال شرقي الموصل في محافظة نينوى، خلال الحرب على تنظيم داعش الذي كان يسيطر على الموصل. وقالت أنقرة آنذاك إن مهمة قواتها تتمثل في تدريب القوات العراقية والمحلية، وبينها مقاتلون عرب وكرد وتركمان، ودعم جهود مكافحة التنظيم، فيما قدرت تقارير إعلامية عدد الجنود الأتراك في الموقع بنحو 600 عسكري.
ومنذ ذلك الوقت، تحول الوجود التركي إلى ملف خلاف بين بغداد وأنقرة، إذ اعتبرت الحكومة العراقية وجود القوات التركية داخل أراضيها انتهاكاً لسيادتها وطالبت بانسحابها، بينما قالت تركيا إن وجودها جاء لدعم القوات المحلية ومواجهة داعش، وربطت بقاءها كذلك بالتهديدات الأمنية الناجمة عن نشاط الجماعات المسلحة في شمال العراق.
ومع مرور السنوات، اكتسبت القاعدة أهمية أمنية وسياسية إضافية لقربها من مناطق تنشط فيها جماعات مسلحة، كما تعرضت لهجمات صاروخية نسبت إلى فصائل مسلحة عراقية، لتبقى واحدة من أبرز نقاط التوتر بين بغداد وأنقرة بشأن الوجود العسكري الأجنبي وحصر الملف الأمني بالمؤسسات العراقية الرسمية.
ملء المساحة الأمنية
ويضيف الياس، أن “أهمية الانسحاب ستبقى مرتبطة بقدرة بغداد على ملء المساحة الأمنية التي يتركها، ومنع تحولها إلى ساحة جديدة للتنافس بين القوى الموجودة في نينوى”.
وعن استدعاء ذاكرة عام 2014، يوضح، أن “ذلك يبدو مفهوماً بالنظر إلى تجربة سقوط الموصل وما خلفته من حساسية شديدة تجاه أي حديث عن الفراغ الأمني”، لكنه يشير إلى أن “الظروف اليوم مختلفة، إذ أصبحت القوات العراقية أكثر انتشاراً وخبرة، كما أن تنظيم داعش لم يعد يمتلك القدرات والبيئة التي كانت متاحة له آنذاك”.
ويرى الياس، أن “التحدي لا يتمثل في تكرار سيناريو عام 2014 بصورته ذاتها، بقدر ما يكمن في احتمال ظهور فراغات أمنية محدودة قد تستفيد منها خلايا التنظيم أو قوى مسلحة أخرى، ولا سيما مع تزامن الانسحاب التركي مع الانسحاب الأمريكي”.
موازين النفوذ في نينوى
وبشأن تأثير الانسحاب التركي على مستوى نينوى، يفيد الياس، أن “تسليم بعشيقة إلى القوات العراقية قد يدفع باتجاه إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل المحافظة، في ظل تعدد القوى الأمنية والسياسية وتداخل مصالح بغداد وأربيل وأنقرة، فضلاً عن حساسية سنجار والمناطق المتنازع عليها”.
ويعتقد، أن “الاختبار الحقيقي لا يكمن في خروج القوات التركية بحد ذاته، وإنما في قدرة الدولة على توحيد القرار الأمني ومنع انتقال المنطقة من نفوذ خارجي إلى تنافس داخلي”، معتبراً أن “نجاح بغداد في ذلك سيجعل الانسحاب خطوة حقيقية باتجاه تعزيز السيادة والاستقرار في نينوى”.
وفي أيلول 2026، دخل الملف مرحلة مختلفة، بعدما اتفقت بغداد وأنقرة على تسليم معسكر بعشيقة-زليكان إلى الحكومة الاتحادية العراقية بصورة تدريجية، وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما قد يمتد إلى شهرين وأكثر، وربط البلدان الخطوة بالتقدم الذي أحرزته بغداد في تعزيز الإجراءات الأمنية وبسط سلطة الدولة في منطقة سنجار وإنهاء وجود الجماعات المسلحة الأجنبية المحظورة فيها.
البيشمركة والقوات الاتحادية
بدوره، يقول الناشط والصحفي سامان داود، إن “انسحاب القوات التركية من بعشيقة يمثل خطوة باتجاه تعزيز سيطرة الدولة العراقية على الملف الأمني، ويعد خطوة إيجابية ومهمة لنينوى والعراق، فضلاً عن كونه داعماً لإرساء سلطة الحكومة العراقية المركزية في منطقة أخرى من المناطق المتنازع عليها”.
ويشير إلى أن “المنطقة المذكورة تسيطر عليها قوات البيشمركة، ما قد يؤدي إلى حدوث توترات أمنية، وهو أمر يشكل مصدر قلق لدى الأهالي”.
وجاء الاتفاق عقب لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي والرئيس التركي رجب أردوغان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث اتفق الجانبان على تعزيز التعاون الأمني، وبسط الدولة العراقية سيطرتها بالكامل في سنجار، وإنهاء وجود العناصر الأجنبية المسلحة المحظورة، إلى جانب تسليم القوات التركية معسكر بعشيقة-زليكان تدريجياً إلى الحكومة الاتحادية وفق الآلية والجدول المتفق عليهما.
انسحاب غير مؤثر
وفي ما يتعلق بتزامن الانسحاب التركي مع خروج القوات الأمريكية، يوضح داود، أن “ذاكرة عام 2014 ما تزال حاضرة لدى شريحة من سكان نينوى، ولا سيما الأقليات، ولذلك من الطبيعي أن تثير أي تغييرات عسكرية واسعة بعض التساؤلات والمخاوف لديهم”.
ويستدرك بأن “الظروف الحالية تختلف عن ظروف عام 2014، من حيث وجود مؤسسات وقوات أمنية عراقية، فضلاً عن الخبرات التي تراكمت خلال سنوات الحرب”.
ويرى، أن “الانسحاب التركي ليس مؤثراً بالقدر نفسه الذي يمثله الانسحاب الأمريكي”، مبيناً أن “الجيش التركي لم يكن يمثل القوة المهمة في محاربة داعش مقارنة بالقوات الأخرى، وأن أهدافه كانت مختلفة بعض الشيء، إذ أقرت وزارة الدفاع التركية في تصريحاتها بأنها تحارب حزب العمال الكردستاني”.
ويعتبر داود أن “ذلك يعني أن محاربة داعش كانت حجة لتركيا للوصول إلى هذه المنطقة، ولذلك أن انسحاب القوات التركية لن يكون مؤثراً في الوضع الأمني”.
وفي 1 تشرين الأول 2026، أعلنت وزارة الدفاع التركية قرارها تسليم قاعدة بعشيقة إلى السلطات العراقية تدريجياً وفق الآلية المتفق عليها، موضحة أن الخطوة تأتي في ضوء التقدم الذي أحرزته الحكومة العراقية في تطبيق الإجراءات الأمنية في سنجار.
ويأتي تسليم القاعدة ضمن مسار أوسع لإنهاء الوجود العسكري المباشر، إذ من المتوقع اكتمال الانسحاب التدريجي للقوات التركية من معسكر بعشيقة وقاعدة صغيرة أخرى قرب الموصل بحلول نهاية العام الجاري، على أن تتولى القوات العراقية إدارة القاعدة بعد اكتمال الانسحاب.
الثقة بالقوات العراقية
وعن مرحلة ما بعد رحيل القوات الأجنبية، يعتقد داود أن “أغلب سكان المناطق التي سقطت عام 2014 أصبحوا أكثر إدراكاً للواقع، وأن تكرار ما حدث في ذلك العام أصبح صعباً، في وقت ازدادت فيه الثقة بالقوات الأمنية العراقية”، متوقعا أن” تتعزز أكثر مع احتواء القوات التي حاربت داعش ودمجها”.
ويلفت إلى أن “أغلب مكونات نينوى تمتلك قوات رسمية ضمن الحشد الشعبي، فيما يجري حالياً دمج القوات الأخرى ضمن الجيش العراقي والشرطة المحلية، وأهالي نينوى ينتظرون تنظيم هذه القوات ضمن المؤسسات الرسمية وتعزيز سلطة القانون”.
ملفات إنسانية عالقة
ويردف داود، أن “الاستقرار بالنسبة إلى الأهالي لا يرتبط بالجانب العسكري وحده، بل يشمل إعادة الإعمار وتحسين الخدمات وعودة النازحين ومعالجة الملفات الإنسانية العالقة وتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة”.
ويخلص داود إلى أن “نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بقدرة الدولة على تحويل الانسحاب العسكري الأجنبي إلى استقرار مؤسساتي طويل الأمد”.
وبالتوازي مع ذلك، شدد رئيس الوزراء علي الزيدي على أن حكومته ستتعامل مع الأسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة وفق خريطة طريق وجداول زمنية متفق عليها، على أن تكتمل العملية بحلول 30 حزيران من العام المقبل، مؤكداً أن الحكومة ستعمل كذلك على نزع سلاح الجماعات المسلحة غير العراقية العاملة على الأراضي العراقية بصورة كاملة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!