RSS
2026-09-29 07:07:23

ابحث في الموقع

أزمة ثقة تضرب سوق اللحوم.. عراقيون يغيّرون عادات الشراء خوفاً من الغش

أزمة ثقة تضرب سوق اللحوم.. عراقيون يغيّرون عادات الشراء خوفاً من الغش
مع تكرار إعلان السلطات المختصة اعتقال متورّطين ببيع لحوم مغشوشة، من بينها لحوم حمير وخيول خنازير برية، بدأت مخاوف المستهلكين تتّسع، ولا سيّما تجاه اللحوم المفرومة التي يصعب معرفة نوعها بمجرد النظر إليها.

وتزامنت المخاوف مع وقائع أمنية وقضائية، كان أبرزها ضبط قصّاب في محافظة النجف، في أيلول الجاري، اتُّهم بصيد الخنازير البرية وذبحها وبيع لحومها. وأصدرت محكمة جنايات النجف حُكماً بالسجن عشرة أعوام بحقه.

وامتدّت تداعيات القضية إلى العاصمة بغداد، حيث تحدثت تقارير محلية عن عائلات قلّلت شراء اللحوم المفرومة، واتّجه بعضها إلى الدجاج والأسماك، باعتبارها خياراً أكثر اطمئناناً. وفي الوقت ذاته، كشفت الجهات الرقابية عن ضبط لحومٍ تالفة في عدد من المدن، ما يعلّل أسباب مخاوف العراقيين من شراء اللحوم في الآونة الأخيرة.

وليست المخاوف بشأن لحوم الحمير جديدة في العراق، ففي كانون الثاني 2025، داهمت قوّة أمنية منزلاً في الديوانية، قالت السلطات إنّه كان يُستخدم لذبح الخيول والحمير سرّاً، وعثرت في داخله على جلود وعظام ورأس حصان وبقايا حيوانات، فيما أفادت المعلومات الأولية بأنّ اللحوم كانت تُباع لمطاعم.

وبين هذه الوقائع وغيرها، تبدو الأزمة بالنسبة إلى المواطن العراقي أكبر من نوع اللحم نفسه؛ إنّها أزمة ثقة في السوق وفي قدرة أجهزة الرقابة على ضمان الغذاء السليم والمطابق للمواصفات.

تقول لطيفة عبد الناصر (76 سنة)، إنّ مهنة القصابة كانت في نظرها واحدة من المهن التي تقوم على الأمانة قبل الربح. تستعيد المرأة المسنّة ذكريات الأعوام الماضية، وتقول إنّ القصّاب كان يعرف أنّ مهنته تمسّ حياة الناس مباشرةً، ولذلك كان يحرص على أن تكون اللحوم محلية وحلالاً ومذبوحة في الأماكن الرسمية.

وتضيف: "كنا نذهب إلى أيّ محل قصابة نعرفه ونشتري من دون أن نسأل عن مصدر اللحم. كانت الثقة موجودة بين الناس والقصّاب. أما اليوم فأُنبّه أبنائي وأقاربي وجيراني بألّا يشتروا اللحم إلّا من قصّاب يثقون به، والأفضل أن يروا الذبيحة أمامهم، وأن يُقطِّع لهم اللحوم مباشرةً من الغنم أو الأبقار".

بدورها، تقول ربّة المنزل هناء ياسين، إنّ أخبار الغش تثير لديها المخاوف كلما أرادت شراء اللحوم. وتضيف: "نسمع باستمرار خبراً عن قصّاب غشاش أو لحوم مجهولة المصدر، مرّة يقولون إنّ مصدرها خنزير ومرة حمار. لذلك، لم أشترِ لحماً من القصابة منذ أكثر من شهرين، كما أنّنا لا نأكل أيّ طعام يحتوي على اللحوم خارج المنزل"، وتلفت إلى أنّها تشتري الدجاج حيّاً من شخص تعرفه، وتطلب منه أن يُجهّزه أمامها، وكذلك تشتري السمك من مصدرٍ تثق به. وتختم هناء بالقول: "ربّما يكون هذا متعباً، ولكنّه بالنسبة لي أضمن لصحة عائلتي".

تأتي هذه المخاوف في وقتٍ تحاول فيه الجهات الرسمية تأكيد أهمية الرقابة والذبح وفقاً للضوابط والشروط الصحية. فقد أعلنت وزارة الزراعة في أيلول الجاري تشديد الإجراءات الرقابية على عمليات الجزر والقصابة، ودعت المواطنين إلى شراء اللحوم المختومة من الجهات البيطرية حصراً، مؤكدةً وجود لجانٍ تتابع محالّ القصابة والمجازر المعتمدة في بغداد والمحافظات العراقية. ولكن الثقة لا تُستعاد بالتوجيهات وحدها، خصوصاً عندما يشعر المستهلك أنّ عليه بنفسه البحث عن مصدر الذبيحة. وفي هذا السياق، اختار بعض العراقيين العودة إلى طريقة قديمة في شراء اللحوم تقوم على معرفة مربّي الماشية مباشرة.

ويوضح الموظف فيصل الزيرجاوي (47 سنة)، أنّه، ومجموعة من أصدقائه، صاروا يتوجهون إلى مربّي الأغنام لشراء خروف، ثم يتقاسمون كلفته ويُشرفون على ذبحه وتجهيزه وتقطيعه وتوزيعه بينهم. ويضيف: "نتشارك في خروف أو أكثر، ونذهب إلى المربّي بأنفسنا. عندما ترى الحيوان أمامك وتعرف من أين اشتريته وكيف ذُبح، تشعر براحة أكبر. ربّما تكون الطريقة متعبة، ولكنها جعلتنا أكثر اطمئناناً".

غير أنّ البحث عن مصدر موثوق لا يعني بالضرورة الذهاب إلى الريف في كلّ مرة. فبعض العائلات اختارت بناء علاقات مباشرة مع مربّي ماشية تعرفهم، حتى لو تطلّب ذلك قطع مسافات طويلة، وذلك ما يفعله حسن نوري، الذي يسكن في كربلاء، حيث يقول إنّه يشتري اللحوم لأسرته منذ أربعة أعوام من قريبٍ له يربّي الأغنام في محافظة واسط، ويقطع أكثر من 200 كيلومتر للوصول إليه.

ويضيف: "أذهب تقريباً كلّ شهر أو أكثر، وأشتري كمية من اللحوم، أضعها في البراد كي تكفيني فترة طويلة. أعتقد أنّ هذه الطريقة أكثر ضماناً، وما أسمعه اليوم عن الغش جعلني أتمسك بها أكثر".

وتكشف هذه السلوكيات عن أثرٍ يتجاوز القضية الأصلية؛ فكلّ واقعة غش غذائي لا تؤثر في الضحية المباشرة فقط، وإنّما قد تمتدّ إلى أصحاب المهن الملتزمين الذين يجدون أنفسهم أمام زبائن أكثر شكّاً وتدقيقاً.

ويؤكّد ذلك القصّاب أحمد الشيخلي، إذ يقول إنّ قضية لحوم الخنزير والأخبار المتداولة عن اللحوم المغشوشة تسبّبت في ركودٍ لدى كثير من محالّ القصابة، مشيراً إلى أنّ الزبائن صاروا يسألون عن مصدر اللحوم، ويدقّقون في وجود الختم البيطري الرسمي، ويتابع: "يفعل ذلك حتى زبائني الذين يشترون اللحوم من محلي منذ أعوام. فالخوف يسيطر على المواطنين، بل إنّ بعض زبائني توقفوا نهائيّاً عن شراء اللحوم".




المصدر: العربي الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!