المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 738

خارطة طريق للتحول الى الديمقراطية التعددية

محمد عبد الجبار الشبوط

قد يكون من الصعب على الطبقة السياسية العراقية الانتقال الفوري من المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية (او الديمقرطية التوافقية) الى الديمقراطية العددية او التعددية.

ويعود ذلك الى اسباب كثيرة منها تعوّد قادة هذه الطبقة على اسلوب المحاصصة منذ كان اغلبهم قادة المعارضة في الخارج التي وضعت اساس المحاصصة في مؤتمر صلاح الدين عام 1992، وعدم تشرب هؤلاء بمبادئ الديمقراطية، او ربما عدم ايمان البعض منهم بها، اضافة الى هشاشة الثقة بين المكونات العرقية والمذهبية الكبرى في العراق (عرب، كرد، شيعة، سنة)، ثم في الترسخ المؤسساتي لهذا النظام منذ تشكيل مجلس الحكم في عام 2003 والوزارات العراقية منذ ذلك الحين.

قد تنفع الدعوات المتتالية الى نبذ المحاصصة في تشكيل وعي سياسي مضاد واجواء اجتماعية رافضة لها، لكنها لا تكفي بطبيعة الحال لأنجاز التحول اذا لم تقترن بارادة سياسية لدى الفاعلين الاساسيين من جهة، واذا لم يتم رسم خارطة طريق للخروج منها، من جهة ثانية.

كما ان استقالات الوزراء من الحكومة كطريقة لاطلاق يد رئيس الوزراء باختيار بدلاء من خارج نظام المحاصصة، كما حصل في استقالة وزراء الكتلة الصدرية، لم تنفع، حيث تقدمت كتلة الائتلاف لتفرض نفسها وريثة للكتلة الصدرية، وتولت حقائبها الشاغرة على نفس الطريقة.

ويتطلب الانتقال التدريجي حصول توافق وطني على ذلك اصلا، مشفوعا بتوافق وطني اخر على ضرورة بناء الدولة الحديثة على اساس المواطنة والتعايش والديمقراطية، اضافة الى الغاء مبدأ الاستحقاق الانتخابي الذي ابتدعته الطبقة السياسية، والذي اعطى كل حزب سياسي الحق في تولي مناصب في الدولة تتناسب مع عدد المقاعد التي حصل عليها في البرلمان، ما يعني ان كل الكتل البرلمانية كانت تشارك في الحكم، من جهة، وان هذه الكتل لم تكن تقبل البقاء خارج الحكومة، كقوى معارضة لها، حسب الثنائية التي تقوم عليها الانظمة الديمقراطية، أي ثنائية حكومة/معارضة، من جهة ثانية.

هذا اضافة الى اجراء تعديلات دستورية ذات علاقة مباشرة بالانتقال، مثل النص على وجوب ان يكون لرئيس الجمهورية نائبان، بحيث يشكل الثلاثة \"مجلس الرئاسة\"، (المادة 138)، وان يكون لرئيس الوزراء نائبان ايضا (المادة 139). وقد سار البرلمان على هذا المنوال، فتم تعيين نائبين للرئيس. وفي كل من هذه الحالات الثلاث، جرى تقسيم المواقع على بموجب ترويكا تتألف من \"كردي - شيعي - سني\".

ومن الممكن، مراعاة لهذه الظروف، افتراض مرحلة انتقالية ثانية، تبدأ بعد الانتخابات التشريعية المقبلة نهاية عام 2009، يتم خلالها تطبيق الديمقراطية التعددية في مجلس النواب، والديمقراطية التوافقية في مجلس التوافق، والفصل بين السياسة و الادارة في تشكيل الحكومة واختيار القيادات الادارية للبلد، وذلك وفق المنظور التالي:

اولاً: مجلس النواب:

مجلس النواب هو مكان تطبيق الديمقراطية التعددية، وساحة المنافسة السياسية بين الاحزاب والشخصيات العامة المستقلة.

يُشكَّل هذا المجلس على اساس الديمقراطية التعددية، ويتم انتخابة على اساس الدوائر، كل محافظة تشكل دائرة انتخابية، (بنفس نسبة التمثيل التي يحددها الدستور الحالي) الترشيح الفردي.

تقول المادة (49) اولا: \"يتكون مجلس النواب من عدد من الاعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة الف نسمة من نفوس العراق يمثلون الشعب العراقي باكمله، يتم انتخابهم بطريق الاقتراع العام السري المباشر، ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه\".

في هذه الخطة الانتقالية، يقوم مجلس النواب على اساس الديمقراطية العددية فقط، أي تمثيل المواطنين، بموجب النسبة المقررة في المادة اعلاه.

ومن اجل ضمان ذلك، يتعين ان يشرع قانون للاحزاب و اخر للانتخابات، يضمن ان تكون الانتخابات وطنية، عن طريق منع مشاركة \"الاحزاب المغلقة\" فيها. و\"الاحزاب المغلقة\" هي التي تتكون عضويتها، وقاعدتها الانتخابية وامتدادها الجغرافي، وتحالفاتها السياسية، محصورة بمكون عرقي او طائفي واحد، في مقابل \"الاحزاب الوطنية\" التي تكون عضويتها و قاعدتها الانتخابية وانتشارها الجغرافي وتحالفاتها السياسية عابرة للخطوط المذهبية او العرقية.

لكن ينبغي الالتفات الى حالة الاقليات الصغيرة جدا، والتي يخشى ان لا يصل ممثلون عنها الى البرلمان، ويجب ان يلحظ قانون الانتخابات هذه الحالة، من اجل ضمان تمثيلها. ولا تشمل هذه الفقرة المكونات الثلاثة السنة والشيعة والكرد.

من الممكن ان يفتح هذا التحول الطريق امام قيام كتل برلمانية على اساس سياسي، وليس على اساس عرقي او مذهبي، وقد تكون هذه الكتل مختلطة من الناحية العرقية والمذهبية.

كما هي الحال الان ينتخب البرلمان رئيس الجمهورية، من بين اعضائه او من خارجه.

ثانياً: \"مجلس التوافق\":

هنا تمارس الديمقراطية التوافقية لحين الانتقال الكامل الى الديمقراطية العددية. هنا يصنع القرار الوطني على اساس التوافق، في المسائل التي سوف تشخص لاحقا على انها بحاجة الى قرار وطني توافقي، كما لو قيل ان الاتفاقية الامنية مع الولايات المتحدة بحاجة الى قرار وطني توافقي.

لا يتمتع هذا المجلس بصلاحيات تشريعية تتقاطع مع اختصاصات مجلس النواب، ولا صلاحيات تنفيذية تتقاطع مع اختصاصات مجلس الوزراء.

ثمة ثلاث طرق لتشكيله:

الطريقة الاولى: وهي الطريقة التي طبقت في تشكيل المجلس السياسي للامن الوطني، الذي اصبح مكان اتخاذ القرار الوطني التوافقي.

الطريقة الثانية: ان يتألف من ممثلي المكونات، بعد ان يتم تعريفها، وبعد ان يتم تحديد طريقة اختيارهم.

الطريقة الثالثة: الانتخاب على اساس المحافظات، لكل محافظة عدد مساو من الممثلين. ضمنا سوف يكون ممثلو المحافظات ممثلين لمكوناتها.

ومن اجل ضمان تمثيل المكونات الصغيرة (عدا الكرد والشيعة والسنة) يجب وضع الية لتمثيل هذه المكونات بعد تعريفها.

ليس هذا المجلس بديلا عن مجلس الاتحاد المذكور في المادة 65 من الدستور الدائم.

ثالثاً: مجلس الوزراء: الادارة التكنوقراطية

يتم تشكيل مجلس الوزراء على اساس المواطنة والكفاءة لكي يتم تحريره من محددات وقيود التمثيل السياسي او الطائفي اوالعرقي.

يرأسه شخص ترشحه الكتلة البرلمانية الاكبر (الكتلة السياسية وليس الكتلة الطائفية او القومية)، بحسب الآلية التي ينص عليها الدستور الدائم حاليا، ولا يشترط ان يكون من داخل مجلس النواب.

يتم اختيار الوزراء على اساس الخبرة والاختصاص والكفاءة والنزاهة والمقدرة القيادية، من خارج البرلمان من المؤهلين المستقلين.

ملاحظة: يجري العمل بهذه الآلية لدورة انتخابية واحدة، يتم في نهايتها تقييم الوضع، واتخاذ خطوات اخرى باتجاه الالغاء الكامل للمحاصصة وتطبيق الديمقراطية العددية. بما في ذلك، على سبيل المثال، انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الانتخاب المباشر.

خلاصة:

تقوم خارطة الطريق هذه على المبادئ التالية:

اولاً: التمثيل العددي للمواطنين في مجلس النواب، الذي يكون ساحة المنافسة الديمقراطية بين الاحزاب السياسية.

ثانياً: يصنع القرار التوافقي الوطني، بعد تعريفه وتشخيص موضوعاته، في مجلس التوافق.

ثالثاً: الفصل بين الجانب السياسي والجانب الاداري في تشكيل الحكومة، التي تتألف من تكنوقراط مستقلين، وليس ممثلي احزاب او مكونات.

رابعاً: الغاء الاستحقاق الانتخابي، وقبول قيام معارضة رسمية في مجلس النواب. يمكن محاكاة النموذج البريطاني بتشكيل حكومة ظل.

خامساً: هدف الخارطة، في نهاية الطريق، اعتماد الديمقراطية التعددية، والغاء المحاصصة التوافقية (الحزبية والعرقية والمذهبية).