المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 641

أحزاب سياسية..

عمار السواد

في اوروبا تحدد القناعات والنظريات والمواقف الاقتصادية مسارات السياسة، وليس للسياسة او ايديولوجيتها ان تتحكم لوحدها في تحديد المسارات العامة لشكل الدولة او السلطة.. فهناك اشتراكية ديمقراطية، وهناك ليبرالية وهناك يمين محافظ وهناك وهناك.... وكل هذه التسميات ذات دلالات اقتصادية سياسية ثقافية مزدوجة. ولكن في العراق لا توجد فاعلية واضحة للرؤى الاقتصادية كي تحدد مسارات السياسة، انما هناك سياسة وسياسة وسياسة، والى جانب السياسة هناك المعتقدات والايديولوجيا الثقافية العامة التي تنطلق بالعادة من قناعات ماضوية شديدة التأثير. وحتى الحزب الشيوعي الذي ينطلق بالاساس من نظرية اقتصادية اشتراكية بحتة يبدو وكأنه تخلى عن تحديد مساراته ومواقفه وفق الاقتصاد. الموجود الان رؤية اقتصادية عامة موحدة تقريبا، واذا ما كان هناك تغاير فانه يبقى حبيس الورق والاروقة الداخلية، بل واشك حتى في ان تطرح داخل الاروقة الحزبية وخلال الاجتماعات الخاصة قضايا تتصل بالسياسة الاقتصادية العامة. ان هذا يكشف عن خلل في وجود رؤى اقتصادية منظمة ومؤثر تتحكم بالفعل السياسي، انما هناك فعل سياسي يتحكم بالواقع كله، ومن بين هذا الواقع يتحكم بالبنية الاقتصادية للبلد. السياسة منهج وسلوك، وليست ايديولوجيا، لذلك لابد ان تبقى جزءا من كل لا ان تتحول الى هدف يتحكم بعملية بناء الدولة.. وهي يجب ان تبقى مرهونة بحاجة المواطن لا ان تجعله يقتات عليها، فمن الخطأ تحويل السياسة الى قوت يومي للانسان. والمشكلة في بلدنا هي ان العملية السياسية بقصد او بدون قصد تسير بسرعة كبيرة باتجاه تسييس الناس.. لا يوجد شيء غير السياسة، تسخن الدولة بسببها وتبرد ان كانت جامدة، ولا يكتفي الساسة بالحراك داخل اروقة الدولة، بل يتم نقل الصراع باسبابه السياسية الى الشارع المأزوم اصلا، وهذا خلل كبير.. الخلافات داخل السلطة بل وداخل مؤسسات الدولة تعود دائما لأسباب سياسية.. وقلما وجد ان كان الصراع عائدا لاسباب اقتصادية او خدمية، وهذا طبيعي ما دمنا لا نتملك احزابا تمتلك تصورات ورؤى اقتصادية تسعى لتحقيقها. وحتى الصراع والخلاف حول قانون النفط والغاز اعتمد في الغالب على مواقف ومصالح سياسية بعضها متصل بصراع امتلاك الثروة القائم في البلاد، وبعضها الاخر نابع من الخوف من ان تتحكم دولة اجنبية باهم ثروة عراقية. ان الاحزاب العراقية يجب ان تؤمن بقضيتين اساسيتين هما ان تسييس الناس بالطريقة السائدة ليس من مصلحة احد، فما يحتاجه الناس هو وعي سياسي كجزء من وعي مجتمعي عام يتضمن تصورات متعددة الزوايا والاهتمامات، وايضا ان فشل القوى السياسية في امتلاك رؤى وتصورات اقتصادية منظمة وفاعلة يؤدي الى فشل في بناء دولة بأسس حديثة بما ان هذه القوى هي التي اخذت على عاتقها عملية بناء الدولة. ان الضغوط الدولية تدفع العراق لتبني سياسة اقتصاد السوق. وهو يسير بطريقة مشوهة بهذا الاتجاه، وما زلنا لا نعرف ما اذا كانت الطبقة السياسية الحاكمة والمعارضة موافقة على هذه السياسة ام لا، واذا كانت موافقة او رافضة فما هي الاسس التي تستند اليها، والأحزاب اليوم لا تمتلك برنامجا اقتصاديا واضحا ومنظما يستند الى قناعات عميقة كل ما تملكه هو شعـارات اقتصـادية للتسويق لا رؤية فيها، لذلك ستبقى عـاجزة عن دفع العراق بعيدا عن مأزق السياسة.