متردد بين البقاء في هذا العالم الافتراضي أو مغادرته بشكل نهائي..
عقدان من زمن التواصل الرقمي مليئة بالاحداث، ونسبة توثيق الجيد والرديء فيها تزداد يوما بعد آخر، فالتفاصيل تحل عليك ضيفا بالصوت والصورة، وما عليك سوى أن تقضي وقتا غير محدد لتتفاعل معها، و تستغرق وقتا آخر في انتظار انقضاء مدة عرض اعلان سخيف مكرر لمكنسة كهربائية، أو علاج لتساقط الشعر، أو آخر لسلعة فاشلة يرفض الباعة الافصاح عن ثمنها الا بالتواصل معهم وكأنها لوحة نادرة تباع في بيئة المترفين.
قد تضع في قاموس امتعاضك اسما للفيس بوك ومجموعة برامج التواصل الأخرى المشابهة له عنوانا تشتقه من انطباعك عنه، وقد تترك لهذه البرامج عناوينها التي تنفعك للتمييز بينها.
ما الذي تراه في هذه المواقع؟.. صراع إرادات، وصراع حضارات، وصراع عقول، وكذب وبهتان وتزييف ودفاع عن رأي، واستعراض لانجاز، وتكذيب لآخر ودفاع لإثبات شيء وانكار لشيء آخر.. الواقع الخارجي تم اختزاله في شاشة صغيرة، وعليك أن ترى كل شيء وتسمع كل شيء وتتدخل في كل شيء.. هذا ما قرره صنّاع الإنترنت..
تخيل أنك الآن تسكن في قرية نائية لا تمتلك فيها وسيلة لمعرفة ما يجري في هذا العالم سوى مذياع صغير أو صحيفة اسبوعية أو أنك لا تمتلكهما اصلا.. هل كانت هذه الاحداث ستتوقف لأنك لم تعلم بوقوعها، ولم تعتني بالسعي لمعرفتها؟
هل كانت ستتوقف لو أن شبكة الإنترنت لم تكن موجودة؟ وهل كانت ستتوقف لو أن الانسان عاش ظروف بيئته فحسب؟
وسائل التواصل صارت تنقل لنا ما يجري في البيوت حيث يستعرض بها الناس حالاتهم وخصوصياتهم (التي لم تعد من الخصوصيات) وكل هذا بفضل التقدم التكنلوجي الذي منح الهواتف الذكية عينا وأذنا ولسانا، حيث تحول البعض لقردة سيرك تستعرض مهارتها لتنال الاطراء والإهانة معا ولا تنتظر الموز كقردة السيرك الحقيقية، ولا ندري فلعل التكنلوجيا الحديثة ما تزال في مرحلة تطوير هواتفها لتداول الموز وارضاء اشباه القردة.
كل الأشياء اصبحت مكررة الى حد الملل بل الى حد الشعور بالغثيان.. فالكل ينقل حالته للكل بذات المكان وذات الزمان وذات الظرف وذات التصرف وذات الانفعال.. إذن ما الجديد الذي يستدعي استنزاف الوقت في التمعن..
أنا أريك تواجدي في ملعب المباراة وأنت تريني تواجدك في نفس الملعب ونفس المباراة.. حظا سعيدا لك مني (لايك) ولي منك (لايك).. هنيئا لنا هذا الانجاز الذي حققه عشرات الآلاف في نفس الملعب!!
ان الحياة بلا هذه المعركة الاستعراضية البلهاء أجمل بكثير، والعيش ضمن حدود بيئتك يمنحك الوقت لهدوء افضل حين يكون خاليا من انفعالات لا طائل منها، فلا تتصور أنك تمتلك القدرة على إحداث تغيير فيما لو خضت غمار اخبار الحرب الروسية الاوكرانية أو اخبارا عالمية أخرى أو حتى محلية، فإمكانية انفعالاتك واسعة بلا حدود وإمكانية تحويل هذه الانفعالات الى افعال شبه معدومة في ظل انشغالك الواقعي بدفع فواتير الكهرباء والماء والنت ومصاريف البيت والعائلة وخطوط نقل الاولاد ومصاريف العلاج والوقود مع إمكانية التعرض للازمات الحياتية في أي لحظة وهو وارد جدا في هذه الحياة.
مع كل هذا العبث لا ننكر الجوانب الحسنة للأنترنت وهي كثيرة، لكن الاستغراق في ممارسة الاستعراض وانتظار الثناء أمر سيء للغاية، والاستغراق في الاهتمام بكل شيء والتفاعل مع كل شيء وتضييع الوقت في غير المهم أمر اكثر سوءا.
حال الدنيا هو حالها.. لم يتغير شيء وكل ما تغير أن الأرض امتلأت بالكاميرات (المرايا) ، والا فالاحداث هي هي وقد حذونا حذو من كان قبلنا.. نعل بنعل، وقذة بقذة، ودخلنا جحر الضب الذي دخلوا فيه فوثقنا جحر ضبنا ولم يوثقوا هم جحر ضبهم..
رفقا بأنفسنا، فلن نموت لو لم ننشر يوما، ولن نموت لو لم نقلب هواتفها الذكية.. ولن نموت لو قيدنا تفاعلاتنا، ولن نموت لو نظمنا وقتنا، ولن نموت لو اخترنا ما يهمنا وتركنا ما لا يهمنا ولا يعنينا.. ولن نموت لو تركنا الادمان على (صباح الخير، ومساء الخير، والجمعة المباركة)، فرأي الفقهاء واضح جدا حيث لا يجب رد السلام على سلام مواقع التواصل.
لا أجزم، بل أظن أن موتا حقيقيا يجتاح قلوبنا بسبب هذه التقلبات في المشاهدات وكثرة الاهتمامات التي تشتت الفكر وتجعل الانسان أسير شاشة تنقل حال الدنيا بشكل مكثف تتلف فيه ذاكرته واعصابه وبصره، فيصبح - دون أن يلتفت- جزء من شبكة الإنترنت يشتغل باشتغالها وينطفيء بانطفائها.
الإنترنت ومواقع التواصل وهذا العالم الافتراضي برمته مدعاة للتأمل فيه من قبل المؤمن؛ لما فيه من تفاصيل قد تتعارض مع تكليفه الشرعي في كثير من مفاصله، فالغيبة واردة، والبهتان، والكذب، والسخرية، والفتنة، وتقوية العدو، وطمس الهوية، والخطأ في النقل، وغيرها الكثير من الذنوب التي قد نغفل عنها أو قد نحاول أن نجد لها المبررات.
حال الدنيا هو حالها منذ حادثة هابيل وقابيل، مع الإنترنت وبلا إنترنت..
والعودة للقرية الهادئة - التي كانت تشكل عالمنا قبل الانترنت- افضل من الاختناق في المدن الكبيرة والانشغال بمشاكل اهلها التي لا تعنينا..
نظم وقتك.. ولا تدمن هذا العالم.. خذ منه ما ينفعك، ولن تموت لو لم تعلق يوما أو تتفاعل.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!